ومَمَّا يَحسُنُ لفتُ النَّظر إليه، أنَّ السَّلفية منهاجٌ متكاملٌ، لا تَقَع في إطارها السَّليم - الذي يستبين فيه معناها الصَّحيح، وتَتَّضح حقيقتها، وتَجري منه على أوضَح سنَنٍ، وأقوَم جادَّة - إلا إن كان على وفق ما جَرَت عليه في قرونها الثَّلاثة الأولى، أمَّا إن بدا فيها عُوارٌ، ينبئُ عن غير ذلك، فهي ليست تلك السَّلفيَّة ذاتَ المنهج المتكامل، التي عرفتها القرون الثَّلاثة الأولى، ولن تكون سلفيَّة إلاَّ إن زال منها ذلك العُوار.
وحينئذٍ، لا يقال: سلفيَّة صحيحة مُسقتيمة، وسلفيَّة غير صحيحة ولا سليمة - كما يطيب لبعض أن يقسِّموا هذا التَّقسيم، فالسَّلفيَّة لا تكون سلفيَّة إلاَّ بمنهاجها المتكامل العتيق، الذي تستوي به على ساقها، أصلها ثابتٌ في الأرض، وفرعها في السَّماءِ، ثمرتُها، أمةٌ عرفت صدق نفسها مع خالقها، في توحيدها إياه، ولزومها شريعته، واستقامتها على أمرِ ربِّها سبحانه، ولن يَضيرَ السَّلفيَّة أن يقولَ فيها خصومُها اليوم - من عداوةٍ مستحرَّةٍ فيهم، أو أولياؤها - من جهل وسوءِ ظنٍّ منهم - ما يقولون، فلطالما قالوا فيها من قبلُ، وظلَّت قلعةً منيعَةً صامدَةً، وستظلُّ - إن شاء الله - كذلك، ما دامَ في هذه الأمَّةِ من يعرف قدرَ نفسه بالانتساب والولاء لها.
وليس يبرِّىءَ نفرًا أو طائفةً، ممن ينتسبون إلى السَّلفية مجرَّدُ ادعائهم أنَّهم على منهج السلف الصالح، واستمساكهم بحبلهم الموصول بالنبي صلى الله عليه وسلم - وهم في حقيقة الأمر وواقع الحال ليسوا على شيء مما يقولون ويدَّعون - فأولئك بريئون من السَّلفية، والسَّلفية بريئةٌ منهم، إذ السَّلفية منهجٌ متكامل، شيَّدته أذرع الأولين السابقين، وما كان على من بعدهم إلا أن يحافظوا عليه ويحرسوه، فلما أن صار مركبًا سهلًا لشهوات الصائدين في غَفَلاتِ الصيد، أضحى على صفقة الغادي إلى سوق السِّلاب.