الصفحة 19 من 291

وها أنذا أضعُ هذه التجربةَ -التي تفضَّل الله بها عليَّ- هبةً غيرَ ممنونةٍ ولا مَمنوعةٍ، وأقامني بها على الحقِّ الذي أراده سبحانَهُ لعبادِهِ، وأوثقني إليها في رضا، وطواعية، وصدق - بين يَدَي"الأُمَّة"، لا أبغي بها حِوَلًا عن خَير"أَمَّة"، قصُرت أمْ طالَت بي"الأُمَّة" (10) .

سائلًا ربي سبحانه -أن يجعل مني مفتاحَ خيرٍ، مِغلاقَ شرٍ، مقبلًا بحق، معرضًا عن باطلٍ، باذلًا لمعروفٍ ممسكًا عن منكرٍ، إنه سميعٌ قريبٌ مجيبٌ (11) .

أغاليطُ ظالمةٌ وتَمويهاتٌ غائِمَة

لستُ هنا بصَدَد مماراةِ الذين طَعنوا على السَّلفية، ولا الرَّدُ على الذين سلقوها بألسنتهم الحِداد، ولا النَّيل من الذين قالوا فيها ما لا يُقال؛ بل ويَحرُم أن يقال، فكم من عائب أمرًا، عابَ نفسَهُ بعيبه به، مِن بعد ما تَبيَّنَ له الحقُّ فلم يجد العيبَ إلاَّ فيه، وكم من طاعن، طَعَن نفسهُ بحملِ الناسِ عليه، فلم يَجد بُدًا من الصَّمت، وكم من رأيٍ قاتلٍ، سُلِبَ صاحبُهُ الصَّوابَ بسوءِ ظنِّه في النَّاس.

فحسنٌ بالمؤمن إذًا -إن لُبِّس الحقُّ عليه، وغامَت الحقيقةُ بينَ يديه- أن يَستَبينَ الحق من أهله، سماعًا، أو قراءةً، أو رُؤيَةً، حتَّى يكونَ من الواقفين بالتَّسليم المُطلق، عند حُدود قول الله سبحانه: {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ} [سورة الحجرات: أية 6] ، فلا يَريبه الظنُّ بإخوانه المؤمنين، إذ"الظن أكذبُ الحديث" (12) ، فإذا ما لقي واحدًا منهم، لقيه بالأدب الذي علَّمَناهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، إذ كان عليه السَّلام يحب لُقيا إخوانه سليمَ الصَّدر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت