الصفحة 18 من 291

عشتُ هذه التَّجربة بعقلي، علمًا ومعرفةً، وبقلبي نورًا وهدى، وبذاتي سلوكًا والتزامًا، فلا -والله- ما خَدَعتُها ولا خَدَعتني (وحاشاها) ، وما أضمرتُ لها إلاَّ الوفاء والحب، فأنالَتني من شرف ما فيها ومن فيها، وسعيتُ إليها في علانيّةٍ شارقةٍ، فآذنتني بأحسن ما فيها ومَن فيها (وما فيها إلا حَسَنٌ، وكلُّ من فيها على أحسَنِها فهو حسنٌ) ، وتعفَّفتُ بها عن نوال المُتكسِّبين والمُنيلين، فألقَت على منكبيَّ برداءِ القناعةِ المُوشَّى بِعرف التَّقوى، وطهارة الغِنى، والحمدُ لله الذي بنعمته تتمُّ الصَّالحات (9) .

تجربةٌ ظاهرها هو باطنُها، ولفظُها هو معناها، واسْمُها هو فَحواها، أرخَت ذيولها على جَمر البَغضاءِ ففثأته، ونفَثَت من صَدرها الحاني على الجَهل فأذهَبته، وتجلَّلت سوادَ الأهواءِ العاشية بنورها وضيائها ففرَّقتهُ.

امتدَّت على القرون، بأجيالها، وركبانها، وأقيالها، وأوفرت لهم الجمَّ الغَفير من جَلالها وكمالها وجمالها، وأنالت أيديَهم أعناقَ السُّحُب، فانهلَّت عليهم فضلًا من مآقيها، وألقت إليهم بِبُردها المخموم بإحسانها.

تجربةٌ سادت الدُّنيا بفِكرها، وعَقيدَتها، وعلمِها، وسَراتِها، وحِلَقِها، ومدارِسها، ومَكتباتها، عَزيزةَ الجانب، بهيَةَ الطَّلعَةِ، نَديَّةَ الكفِّ، عفَّةَ اللِّسانِ، مِعطاءَة الجَنانِ، طاهرَةَ الذَّيل، جَمَّة الوفاءِ، في غير استحياءٍ، ولا استخفاءٍ، ولا مُخادعةٍ، وكيف لا...؟! وهي السُّنَّة والكتابُ، وطابُ اللُّباب، وجَرَع الصَّواب.

تجربة من استشفى بها أسرعَ إليه الشِّفاء، ومَن رامَها حكمةً، وعصمةً، وشرفًا لم يُخطىء الرَّوم، ومَن فاءَ إليها بعد فترةٍ وطولِ انقطاعٍ أوَى إلى جناحِه الفَيءُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت