أمَّا الجهاد بالمال، ببذله في وجوه البرِّ والمعروف المختلفة، وإغاثة الملهوفين به، ورفع ضوائق الذُّلِّ والاستضعاف عن المعذِّبين، ومدِّ يد العون إلى الذين لا يمسكون بأيديهم إلاّ على الفقر، وغير ذلك مِمَّا حثَّ الله عليه، ورغَّب فيه، فيمكن أن يكون ذلك من غير إمام عامَّةٍ، ولا إذنٍ منه، ولا حثِّ ولا ترغيبٍ فيه، فإنَّ في ترغيب الله فيه، وحثِّه عليه في كتابه وفي سُنَّة نبيِّه صلى الله عليه وسلم ما يكفي لأن يُسارع إليه المسلمون من غير إبطاء ولا تردُّد، وهذا الجهاد هو جهاد الأغنياء، ذلكم أن أي عمل من أعمال الخير التي أمر الله بها العباد مرهون نفاذها بالاستطاعة عليها أو الاستطاعة في فعلها، وعدم ترتب فساد أو شر في القيام بها.
ومثل الجهاد في ذلك الجهاد بالعلم، وأظهر ما يكون الجهاد بالعلم في الأمر بالمعروف وفي النَّهي عن المنكر، وفي نشر العلم الصَّحيح وتعليمه النَّاس، وبناء العقيدة في القلوب، وتشييد بناء الأحكام والفروع في العقول.
وهذا هو جهادُ العلماء والدُّعاة.
والعلماء والدُّعاة ليسوا في حاجةٍ إلى إذنٍ من أمير عامَّة، يأمرهم أن يبذلوا علمهم، وينشروه في النَّاس، ويُقوِّموا عقائدهم، ويُصوِّبوا ما تعلَّموه على غير دليل من كتاب وسنَّة، ليكون على وفقهما.
وعلى مثل هذا الفقه البصير يكون الجهاد الذي اراده الله من الأُمَّة، تصان به الأرواح، وتُحمى به الدِّيار، ويُدرأُ به الشر، ويُجلب به الخير، ويُنصر به الدِّين، ويُذاذُ به عن العِرْضِ، وتُحفظُ به الأموال والأنفس.