الصفحة 180 من 291

ولا نوغلُ في التَّاريخ، لضربِ الأمثال من كنانته التي أودعها الله سبحانه أمثالًا، وأخبارًا، وعبرًا، بل يكفينا أن نُجيل النَّظر في واقع الأُمَّة اليوم لنُبصر كم كانت الخطيئات التي حطَّت بأثقالها على الأُمَّة برُمَّتها؟ وكم كانت الفتن التي اشتعلت أحقادًا مضرَّمةً بنارها! وكم كانت الدِّماء التي سالت أنهارًا تحت أرجلها! وكم كانت الأموال التي أُهرقت فاحترقت في أتونها! وكم وكم وكم! فإذا ما أبصرنا بهذا كلِّه علمنا علم اليقين أنَّ الجهاد من الأمور التي لا يؤذن بها إلاَّ أن يكون الآذِنُ به هو الإمام، لأنَّ هذا كلَّه إنَّما كان -وابتليت الأُمَّة به، وأصابت من شروره وآثامه- حين صارت الأمور العَّامة التي لا تكون إلاَّ بوجود الأمير- وله، وبإذنه -موزَّعةً بين أيدي أمراء؛ لا يُقوَّم أحدهم إلاَّ بذلاقة لسانه، وجَعجَعَة كلامه، وجَهجَهَة عنانه، ثمَّ إذا نظر من حوله، وجد نفسه عاريًا من كل ما يوجب على الأُمَّة طاعة الأمير الذي قال فيه الرَّسول:"واسْمَعوا وأطيعوا وإن وُلِّيَ عَلَيكم عبدٌ كأنَّ رأسهُ زبيبةٌ" (15) .

والله -سبحانه- وهو يخاطب الأُمَّة بالجهاد، لا يخاطبهم به ليعجزهم عن القيام بحقِّه، فهو من الخطابات الشرعيَّة، التي تدخل في القاعدة الكلِّيَّة للتَّكليف {لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [سورة: آية] ، فإذا لم يكن في وسع الأُمَّة القيام بحقِّ الجهاد لغياب الأمير (الخليفة) الذي يَعقد رايته، ويأذن به، ويولِّي أميرًا على الجيش؛ فإنَّ -الجهاد- يصير من التَّكاليف غير المقدور عليها، ولا تُؤَثَّمُ الأُمَّة بتركه، إلاَّ إن رضيت، وليس عليها إلاَّ أن يظلَّ الجهاد حاضرًا في نفوسها ترقب اليوم الذي يهييءُ الله له أسبابه، فتستجيب لندائه، والإثم يصيب منه من ولاَّه الله أمر الأُمَّة، وجعلَ مقاليدها في يده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت