الصفحة 181 من 291

وحتى هذا الذي ولاَّه الله أمر الأُمَّة، لا يُؤثَّم إنَّما يُؤثَّم بترك الجهاد إذا كانَ قَد شغل نفسه عن الأُمَّة بأموره الخاصَّة، وانصرف عنها لاهيًا عابثًا، وأدنى العُصاة الفُسَّاق أهل الأهواء، وأقصى عنه أهل الطَّاعة والنَّصيحة الأخيار، وأنال أولئك ومكَّن لهم، وحَرَم هؤلاء وأعرض عنهم، وألان قياده لأهل الكفر والباطل، وسعى إليهم لتكون لهم الوصاية والقِوامةَ على الأُمَّة، أمَّا إن كان لأسباب ليس في وسعه تلافيها، ولا في طوقه اختيار سبيل غيرها، فإنَّ له مندوحةً عن الإثم ولا يكلَّف به، لأنَّه عجزٌ عن القيام بحقِّه واستجلاب أسبابه، شأنه في ذلك شأن الأُمَّة.

ولا عذرَ لأُمراء الأُمَّة بترك الجهاد، بسبب ما هم فيه من فرقة، واختلاف، وتنازع؛ فإنَّ من حقِّ الأُمَّة عليهم أن يتداعوا إلى أمر سواءٍ بينهم، وأن يُوَلُّوا عليهم الأحقَّ منهم بالولاية، وأن لا يكون الحرص على الإمارة فيهم سببًا في بقاء يد الأُمَّة مغلولة عن الجهاد لإعلاء كلمة الله في الأرض، وبسط نفوذ الإسلام في الشعوب، وإقامة حكم دين الله بينهم، ولينظر كلٌّ منهم ما قدَّم لغدٍ، وليستيقن أنَّ ما مكَّنه الله به من إمارةٍ، وسلطانٍ، وقوَّةٍ، ومالٍ ذاهبٌ من يده باقٍ في عقبه، وهو مقبل بالموت على ربِّه، وكم هم أولئك الذين ملكوا في الدُّنيا ما ملكوا ينظرون الآن -وهم أحياء- إلى ما كانوا يملكون، في حسرةٍ، وحزنٍ، وعجزٍ، ويرتدُّ إليهم طرفهم -عن ذلك الذي كانوا يملكون، وهم يبصرون به- وهو ذليل حسير، فقد أضحى كلُّ الذي كانوا يملكون إلى غيرهم!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت