السِّياسة في الإسلام تعني تدبير أمور الأُمَّة بعامَّة، وقَصْرُها على ما يتعلَّق بالشؤون الدَّوليَّة هو تقليدٌ واتِّباعٌ نشأ من الانسلاخِ من الأُصول الشرعيَّة والقواعد الدِّينية، والإعجاب بالمستحدثات الاصطلاحيَّة، التي أضلَّتنا عن ميراث النَّبي صلى الله عليه وسلم، وصارت هي السَّدَّ الحاجز بين المتشبِّعين بحب السِّياسة باصطلاحها الحادث، وبين من غفلوا عن معناها الشرعي الواسع، وقصروها على مقارعة الحكَّام، ومصاولتهم على طول الأيَّام، وما أُتي هؤلاء وهؤلاء من غفلةٍ، وهوىً، وجهلٍ.
ولو أنصفوا لعادوا لِمَا نَهْوا أنفسهم عنه، ونأوا عنه، وآثروا غيره عليه.
ونسأل: لماذا لا تستطيع الأُمَّة القيام بأعباء فريضة الجهاد؟
ذلكم، أنَّ الجهاد -وهو فريضة فرضها الله سبحانه- لا يكون إلاَّ بإمام وبإذنٍ منه، وهو في هذا مثل الحدود والعقوبات، فهذه لا يوقعها ولا يقيمها إلاَّ إمام العامَّة.
إذ لو تركَ أمرُها إلى أفراد الأُمّة؛ لَفَسَد نظامُ المجتمع، وتَهارَش النَّاسُ فيه، وأضحوا فرائسَ بعضهم لبعض، وصارت الغَلَبة فيه للأقوى، لا للحق والعدل (14) .
والقوَّة المودَعَة في دين الله هي فطرته التي فطر الله النَّاس عليها، وأناط تكليف العباد بما استودعها الله سبحانه من خصائص كانت نظامًا متينًا جمع الله إليه وبه التَّكاليف الشرعيَّة التي خاطبَ بها عباده.