ولم يكُن الجهادُ يومًا -حين كانَ جهادًا- إلاَّ وله يدٌ كاسبةٌ في الأرضِ للأُمَّة، وكان على الأُمَّةِ وهي تقرأ قوله تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ} [سورة الرحمن: آية 60] ، وقد أصابت بالجهاد عزًَّا وتمكينًا وسلطانًا، أن تُبقي يدها قابضةً على سيفِ الجهادِ مكافأةً له على ما أعطاها، وردًَّا على حُسن الصَّنيع بمثله.
بيدَ أنَّ الأُمَّة التي صدَّت نفسَها بنَفسها عن سبيل الله، وأعرضت عن شرعه، وتنكَّرت لعقيدته -على تفاوتٍ فيما بينها- ليسَ غريبًا أن تقبض يدها عن الإحسان الذي نَدَبَ الله إليه، وكافأ عليه عباده المتَّقين، وكأنَّما جَعَلَ السَّبيلَ إليه أن يَرى عباده الصَّالحون في صنيع خالقهم معهم -على اقترافهم السَّيِّئات التي حرَّمها عليهم- ما يحبَّب إليهم الإحسان كلَّه إلى كلِّ شيءٍ يكون منه الإحسان إليهم.
ولا ريبَ أنَّ الجهاد لا يُسبقُ في إحسانهِ إلى هذه الأُمَّة المرحومَة؛ فهو السُّور المُمنَّع الذي يحميها، والسَّيف المُشرَعُ الذي يُقصي أعداءَها عنها، والبيت المعمور الذي يوفِّر الأمن والرَّخاء والعافية لها.
ولا والله ما ذاقَت الأمَّة طعم الذُّلِّ، ولا أكلت شوك العَوسَج، ولا تقلَّبت على فراش من حَسَك السَّعدان إلاَّ حينَ أغمدت سُيوفها في قُربُها، وأناخَت رواحلَ الفتح في مرابضها، وجعلت تعلفها بالسمنة، وأسلمت قيادها لرايات عميَّة لا تهتدي -من بعيد ولا من قريب- إلاَّ إلى أخونَةِ الطَّعام والشرابِ التي تَصنع الموت البطىء!! وتقود -من قبل ذلك- إلى مواطىء الهَوان الباخع، ويُمسي النَّاس -من حولها- ويُصبحون وهم يتجشأون من تُخمتها الرَّغيب بأمشاج القلق، والحيرة، والتَّردُّد، والفزع، النَّاشبة في صدورهم؛ في نومهم ويَقظتهم.