وكثيرٌ هم أُولئك الذين يقيسون الحاضر على الماضي، ويحسبون الزَّمن واحدًا، لأنَّه -على تعدُّد قرونه، وعقوده، وسنينه، وشهوره، وأسابيعه وأيَّامه- موصولٌ بعضه ببعض، فلا ينفك قرن عن الذي قبله، ولا عن الذي بعده، ومثل القرن في ذلك العقد، والسَّنة، والشهر، والأُسبوع، واليوم، لكنَّهم يَنسبون -في فورة حماستهم- أنَّ أهل القرون والعقود -إلخ- يتفاوتون، فلا هؤلاء مثل أُولئك، ولا أُولئك مثل هؤلاء، وإلاّ فماذا يُقال في هذه الفِرَق والجماعات التي تقرأ وتسمع قول نبيِّها صلى الله عليه وسلم:"لا تحاسَدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يَبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانًا".
ولو كان أهل قرن -كالقرن الثَّاني عشر مثلًا- يشبهون أهل القرن العاشر، فلا يقال: إنَّ أهل القرن الثَّالث مثلًا يُشبهون أهل القرن التَّاسع، فالفروق النَّفسيَّة، والأخلاقيَّة، والقدرات والطَّاقات البدنيَّة والعقليَّة ظاهرة الفرق، بيِّنة البعد بين هذا القرن وذاك القرن، فالاعتداد باعتبار أنَّ الزَّمن كالجسم الواحد على تباعد قرونه وعقوده -إلخ- اعتدادٌ ضعيفٌ، ولا يحسن أن يُنظر إليه علىأنَّه مقيس عليه، يبحث عن مقيس -ليكون أحد أركان القياس- فيقال في المقيس أهل القرون أو أحوالها، أو أحداثها، فذاك قياسٌ باطلٌ لا يصلح.