وربَّما حدَّثت البعض نفوسهم أنَّ الأُمَّة قَد سئمت أنظمة الحكم وأنماط المذاهب الفكريَّة التي تأسَّست وقامت عليها دولُ هذه الأنظمة بما جرَّت عليها من بلاءٍ عظيم، وبما أصابت الشعوب من ضرَّائها وبأسائها، ما لا قِبَلَ للجبال به، فالأُمَّة بهذا أصبحت مهيأةً راغبةً في إقصاءِ هذه الأنظمة الحاكمة التي لم تستطع أن ترغِّب في الإبقاء عليها، وقفزةٌ خاطفةٌ واحدةٌ سوف تطيحُ بهذا النِّظام أو بذاك؛ فإذا هو مكبٌّ على وجهه، لا يقوى على النُّهوض.
وليته بقي حديث نفس -إذًا: ما كان الله سبحانه ليؤاخذ من حدَّثتهم نفوسهم به- لكنَّه تعدّاه في بعض البلاد إلى الجهر به، ثمَّ إلى المشي نحوه، ثمَّ إلى رَمي (القفَّاز) في وجه النِّظام! ثمَّ إلى العمل على تغيير هذا النِّظام، الذي ظُنَّ أنَّهُ طائحٌ لا محالة.
والمستقرىءُ الأحداث التي نجمت من جرَّاء تغيير هذه الأنظمة، أو محاولة التَّغيير، يعلم الطَّامَّات التي جاشت بها الأرض وتجشأت، وتناوحت، بها الرِّياح ونوَّحت، وتحالكت بها الليالي وأحلكت!!
ويحسن بالأُمَّة بعامَّة، وبالعلماء، وبالدُّعاة بخاصَّة، أن يَستبصروا قول الله سبحانه: {إِنَّ الله لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [سورة الرعد: آية 11] فهي قاعدةً توجيهيَّةٌ تُصيب الأُمَّة بها حظَّها من الرِّبح أو من الخسارة، بقدر ما أدركت أو علمت من معناها.
وليس يَصلح حال الأُمَّة اليوم إلاَّ بما صلح عليه من قبل، وحالها اليوم لا يُنبىءُ عن رجاءٍ، بل ولا عن أمل.