الصفحة 169 من 291

فالمقدور عليه عند المسلمين الملتزمين: نزاعٌ، وتفرُّقٌ، وتحارشٌ، وتحاسدٌ، وتباغضٌ،واختلافٌ، ومراءٌ موصولٌ، وقعودٌ عن نُصرَة بعضهم البعض، ومفهوم النُّصرة فيهم لا يكون إلاَّ بالانتماء والولاءِ للجماعة أو الحركة، أمَّا الانتماءُ للدِّين فيأتي من وراء الانتماءِ الأوَّلِ.

وأشدُّ وأنكى من هذا كلِّه قناعة الكثيرين منهم -بعد رؤيتهم الحال السَّيئة التي صاروا إليها- بجدوى نجاحهم إن هُم خالطوا العملَ السِّياسي، وظنُّهم أنَّهم قادرون على التَّغيير وتوجيه الأُمَّة في مسيرتها نحو الأفضل والأمثل!!

وإذا كان هذا هو المقدورَ عليه عند جماهير المسلمين الملتزمين، ممَّن يَتَسمَّون بأهل السُّنَّة والجماعة، لأنَّه الأيسر والأسهل عندهم -والحمد لله على كلِّ حال!!- وهو الذي رَضُوه وألفوه، بل وأحبُّوه جدًا، وإلاَّ ما كانوا ليَحرصوا عليه هذا الحرص الذي يبقيه فيهم، بشرَّتِه، وفَراهَتِه، وعُنفُوانه، فماذا إذًا هو غير المقدور عليه فيهم؟

غيرُ المقدور عليه فيهم هو: ما كان يمكن لو حرصوا عليه، واستعانوا الله عليه -بإخلاصٍ، وعملٍ لا يُخالف فيه عن أمر الله سبحانه- أن يُنقذهم من كلِّ الاسباب التي قادتهم إلى هذا الواقع المرير الأليم الحزين الباكي.

وهل هناك شيءٌ أفسدُ للأُمَّة، وأذهب لمَودَّتها، وأنفى لصلاحها من فساد ذات البين كما قال صلى الله عليه وسلم:"إنَّ فسادَ ذات البين هي الحالقة، لا أقول؛ تحلقُ الشعر، بل تحلقُ الدِّين" (11) .

وما الذي يُذهب فساد ذات البين؟ إنَّه الذي قلنا: عَمليَّةٌ ذات شقَّين، تسير في خطَّين اثنين في اتِّجاهٍ واحدٍ، وفي آنٍ واحدٍ: تنقية العقيدة وتصفيتها من كلِّ الشوائب التي خالطتها، وتربية أفراد الأُمَّة وتنشئتهم على أساس من الأحكام الشرعيَّة، والآداب الإسلامية وفق ما ورثناه عن القرون الثَّلاثة المفضَّلة الأولى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت