إذًا؛ فواجبٌ عليه أن ينظر فيما هو مُستطاع له، ولا ريب أنَّ الاشتغال في المستطاع -ممَّا أمر الله سبحانه به عباده، وكلَّفهم به، من فعل المأمورات، وترك المنهيَّات- هو المطلوب أوَّلًا منه شرعًا، لأنَّ الله سبحانه لا يكلِّفُ نفسًا إلاَّ وسعها، ولا يكلِّفُ العباد في دينهم -الذي شرعه لهم- ليؤثِّمهم بالعجز عمَّا يطيقون من فعل المأمورات وترك المنهيَّات، وهو ثانيًا: بتكليفه المخاطبين بما يطيقون من فعل المأمورات، وترك المنهيَّات فقط، يحملهم على الإقبال الجادِّ عليه، وصرف الجهد إليه، وترك غير المقدور عليه، حتى يُصبح مقدورًا عليه؛ فيُصبح الجُهد المبذول في المقدور عليه أوفر بمُضاعفته، فيكون حظُّ النُّجح فيه أقوى وأكثر، ويكون العمل أحسن وأصلح، وأسلم عاقبةً، وبخاصَّةٍ إذا أيقنَّا أنَّ أعداءَ الإسلام يرقبون بعيونهم المبثوثة في كلِّ أرجاء عالمنا الإسلامي ما يكون من أمر المُسلمين الملتزمين منهم وغير الملتزمين، ويضعون -بالنَّتائج التي تعود عيونهم بها إليهم- الخطط المنظَّمة، ويحيطونها بالكتمان، ويسخِّرون لها إمكاناتٍ وطاقاتٍ كثيرةً؛ ماليَّةً، وبدنيَّةً، وعلميَّةً يُحكمونَ بها الطَّوق حولَ الأُمَّة، فلا تستطيع التَّحرك بحريَّةٍ تَمنحها قِسطًا من القدرة على التَّفكير في أمر نفسها.
أضف إلى هذا، أنَّ المسلمين الملتزمين، على فُرقةٍ، واختلافٍ، وعداوةٍ، وتحاسدٍ، وتحارشٍ، ومراءٍ لا ينقطع فيمن هو الأحقُّ والأولى بالاتِّباع والصَّدارة!! وعدوُّهم جميعًا واحدٌ، لا يؤثر واحدًا منهم أو جماعةً على جماعةٍ أخرى في عداوته.
وكثيرٌ منهم مالَ إلى الدُّنيا، ومالت به الدُّنيا، واطمأنَّ لها، واطمأنَّت به، ولا أدلَّ على هذا وذاك ممَّا نشاهده من الواقع المذهل الذي جعلهم أُضحوكةً في نظر أُولئك الأعداء.