وهذه الطَّأئفة الظَّاهرة ليست ظاهرةً بشوكتها وقوَّتها، ومنعتها، إنَّما هي ظاهرةٌ بعلمها، وفقهها، وسَعيها الدَّؤوب في دَعوة النَّاس إلى الحقِّ وإلى الصِّراط المُستقيم، والأمر بالمعروف والنَّهي عن المُنكر، والأخذ بعزائم الأمور، وعَدم التَّرخُّص في الدِّين (9) ، والصَّدع بكلمةِ الحقِّ، والإبانة عن الأُصول الكلِّيَّة التي تأسَّس عليها شرع الله، والتَّواضع للخلق، والأذان في النَّاس بأنَّ النُّصرة من الله لا تكون إلاَّ بالمُستضعفين والمساكين كما أخبر بذلك صلى الله عليه وسلم، وأنَّ الاستكثار من الدُّنيا ومتاعها، والانصراف إلى جمع المال وكنزه يزيد من طغيان النَّاس، ويذهب رونق الإيمان من حياتهم، وهذا ولا شك سببٌ في إبطاء النَّصر عن الأمَّة، إن لم يكن سببًا في دمارها وقَد كان (10) .
ولم يكن الرَّسول صلى الله عليه وسلم يخشى الفقر على أمَّته؛ بل كان يخشى أن تبسط عليها الدُّنيا، فتتنافسها فتهلك فيها كما أهلكت الأُمَم التي قبلها، وليس أمر الخاصَّة والعامَّة اليوم بخافٍ علينا، فليَنظر أحدُنا فيما أحدث المال من فتنة فينا، وكم أذهب من مروءات، وأضاع من التَّقوى، وأزهق من الأخلاق، وأفقد من الهُدى.
وبهذا لم يعد هناك من سبب، تبسط به الأُمَّة يدها بالدُّعاء والتَّضرُّع تستنزل به النَّصر من واهبه، وتَستكتب به التَّمكين من المُنعم به، وتظاهر به نفسها على تَحقيق وعد الله للأُمَّة.
وقَد يسأل سائل فيقول: لقد ذكرت في مطلع كلامك أنَّ العمل السِّياسي سلوكٌ اجتماعيٌّ عامٌّ، على كلِّ فردٍ من الأُمَّة أن يضرب فيه بسهمٍ، ويصيبَ منه قدرًا، وكلامك من بعد قولك هذا يلغيه، لأنَّك ترى أنَّ العمل السِّياسي لا ينبغي فهل يكون المسلم الملتزم في حلٍّ من أمره بتركه العمل السِّياسي، يمسك بزمامه البعيد والقريب، والقاصي والدَّاني، والخيِّر والشرِّير، على تفاوت فيما بينهم في الشرِّ؟!