إنَّ هذا الكتابَ، وهو يَحكي تجربةً علميَّةً، ودعويَّةً، لا يُغفل الرَّدَّ على المُفتريات، التي حَشدها بعض مَن كتَب عَن السَّلفية، طعنًا ونَيْلًا، ولا بيانَ بعض الأخطاءِ التي خالطها بعضُ السَّلفيين، ولا التَّعريف بالأسباب التي انخذل بها الذين لم يَثبتوا على المنهج الأبلج الأبهج، وصاروا يحاولون التَّلفيق بين مَناهجَ مُتعددَّة، ليُخرجوا من هذا التَّلفيق أضغاثًا، يكونُ منها جميعًا منهجٌ واحدٌ (زَعموا) !!
ولا بُدَّ من الإشارةِ، إلى أنَّ العِلم لم يُؤتَ بانتفاضٍ، أو انتقاصٍ، بمثلِ ما أوتي من المتعالِمينَ المُتطاولينَ، وأنَّ منهج الحق هذا، يحتاج دعاةً علماءَ أتقياءَ، أوفياءَ، أصفياءَ، أنقياءَ، لا يُغلَبون، ولا يُغالبون إلا بالحقِّ، وبالحقِّ وحَده.
وشرفٌ عظيمٌ أن يكونَ مِقوَلُ الحقِّ هو الأعلى، يسوقُ النَّاسَ إلى بابه، ويُغذيهم من حِلابه، ويُمدهم من خَبءِ جِرابِه.
وليس أصدق في الوصول إلى صوابِ الحُكم على أمرٍ ما، من التَّجربة الذاتيَّة، المُتجردَةِ من عَنعَنات الرِّواية، وأسانيد الحكاية، تهديكَ إليه في غير انقطاع ولا تحيُّرٍ.
وكلَّما اتَّسعت دائرة التَّجربةِ - لتشملَ الأحداثَ، وشخوصَها، وأحوالَها، ومتعلَّقاتِها، سواءٌ القريبة منها والبَعيدة، وكان لصاحب هذه التَّجربة تعلُّق دائمٌ بها، تمتدُّ زمانًا، يَكفي لاستحكام التَّجربةِ، واستيثاقها في نفسه - كانت (التَّجربةُ) أمكنَ في الصَّواب، وأظهَر في الدَّلالةِ (8) عليه، وأهدى سبيلًا في الانتهاء إليه.
وليس يحسُن بصاحب مثل هذه التجربة، أن يضُمَّها إلى صَدره في حرص عليها، أن تنفَلِتَ منه فيُبصرَ بها الآخرون، ولا أن يُكتِّمها في نفسه، خشيةً من أن يكون للنَّاسِ علمٌ بها فَتشيعَ فيهم من قبل أن يَبْرءُوا سبيلها، ولا أن يَحوزوها حِرزًا نَفيسًا، لا يطَّلعُ عليه إلاَّ من ترسَّخَت في قلبه مودَّتهم وصُحبتُهم.