الصفحة 140 من 291

وإذا ما فقه الدَّاعية المسلم الواقع الإنساني الحياتي في ضوء نصوص الوحي، عرف الخير خيرًا، والشّر شرًا؛ لأنه إخبار وحي صادق أمين، فلا يكون به الخير إلا خيرًا، ولا الشرُّ إلا شرًا، إذ معدن هذا غير معدن ذلك، والوحي إنما يخبر عن الأشياء بما جبلت عليه، وبما أودعها من خصائص، تعرف بالآثار الناشئة عن أفعالها، والغايات التي خلقها الله من أجلها، وحسب الداعية ذلك.

ولا أحسب شيئًا مما ذكرته هذه الأحاديث الآنفة الذكر إلا هو مشهودٌ معلومٌ لكلِّ من كان له قلبٌ، ولو ذهبت تتعرفها من غير إخبار الوحي عنها في بلاد الكفّار المشركين، لوجدتَ عندهم منها خُبْرًا؛ علموها بإقبالٍ منها وإدبارٍ، فكانت حالهم قبل سنين أفضل بكثير منها الآن، ولو تركت أحدهم يحدِّثك بما في نفسه؛ لأفضى إليك بما هو في نفسك أو بشيء منه، لكنّه وهو يذكر ما انحسر من خير عنهم وزال، يذكره بتفجُّع وحزن، وأنت إنما تذكره مستعيذًا بالله مما هو أشدّ منه وأكبر، ذاكرًا معه قول النَّبي صلى الله عليه وسلم:"ما من يوم يأتي إلا والذي بعده شرٌّ منه" (81) فتطيب نفسك، وتسلم الأمر لله، وتدعو الله أن تُلمّ بالناس فتنةٌ تكون أنت من بعض حصَادها.

وما هذا إلا لأنك ترى الواقع مطابقًا للأخبار التي جاءتنا عن المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ فكان فيها العزاء للأنفس، والتحذير من شرٍّ هو كائنٌ لا محالة، والترغيب في خيرٍ يُفعل يُتقى به الشرّ ويدفع.

من هنا نتبيّن: أنّ فقه الواقع، لا يتأتّى بتتبع أحوال الحياة البشرية في كلِّ أصقاع الأرض، وتقصِّي ما تُفرزه الحضارات الإنسانية القائمة على التجارب وحدها، أو الظُّنون والتخمين والحدس لما يكون، وبناءً على النظريات التي يُخطَّط بها للإنسان، فمثل هذه النظريات تزول أو يعتريها الخلل والفساد، ثمّ لا تعود صالحة للتخطيط، والعمل على وفقها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت