وحين يتجرّد الداعية المسلم -بصدق ولائه للدعوة، وبإخلاص نيّته للعمل لها، وشفقته الرّحيمة على من يدعوهم إلى ربِّه- يزداد معرفةً وفقهًا بالواقع، ويشتدُّ حرصه على معرفة الأخبار والآثار التي نزل بها الوحي الأمين على قلب الرّسول صلى الله عليه وسلم، فيكون فقهه بالواقع بقدر ما ينتهي إليه علمه من تلك الآثار والأخبار.
وحتى لا يطول بنا المسير في الحديث عن فقه الواقع حديثًا نظريًا بحتًا، فإنّه يحسن بنا أن نسوق بعضًا من تلك الأخبار التي بمثلها نكون أفقه البشر وأعلمهم بالواقع، لا بواقع بلدٍ، أو قطرٍ، أو شعبٍ، بل بواقع العالم كله، ما يراه الداعية المسلم، ويقف على أحواله، من قُربٍ أو من بعدٍ، وما لا يراه؛ يعرف من أحواله شيئًا فهما سيّان، ليس ذلك لأنه أوتي حظًا من العلم الكشفي، الذي تنحسر به أستار الغيب ليعرف ما وراءها، فذا شيءٌ يعرف المسلم -بداهةً- أنَّه ليس في حوله ولا من طَوله، بل لأنه الأخبار والآثار التي قصّ بها علينا نبيُّنا صلى الله عليه وسلم ما يكون في واقع الحياة الإنسانية، صدّقها هذا الواقع تصديقًا ينفي الرّيب والشكوك، ويحمل الإنسان العاقل على أن يُقبل لا على التسليم بما جاءنا من أخبار الغيب، تقصُّ علينا واقع حياة الإنسان في مستقبله، بل ليُسلِّم بكلِّ الخطابات الإلهية التي خاطب الله سبحانه بها عباده؛ ليكون العملُ بها السبيل الواصلتهم إلى سعادتهم في الدُّنيا، وإلى رضوانه في الآخرة.
وأسوق بعضًا من الأخبار النبوية، التي حدّث الرسول صلى الله عليه وسلم أمته عمّا سيكون في حياتها من أحوال، تتعاقب فيها تعاقب الليل والنهار، وتتابع على أرضها تتابع القرون والأعوام، آخذًا بعضها برقاب بعض، كلما حلَّ منها واحدٌ وارتحل، تبعه الآخر بما ينبىء عمّا بعده، تمتدُّ علىطولِ القرون حتى تقوم الساعة، في انتظام بديع، منها المؤتلف ومنها المختلف: