وحسْبُ الدّاعية المسلم أن يُبصر بالأخبار الغيبية، التي نطق بها الكتاب الكريم، والسُّنَّة النبويَّة الصحيحةن فكانت كما أخبر بها، لم يتخلف منها واحد، أجمعت على تصديق المُخْبِر بها عن ربه صلوات الله وسلامه عليه، وكانت بوقوعها على ما أخبر بها، كما وصفها الله سبحانه في قوله: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لاَّ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [سورة الأنعام: آية 115] .
والبصير العارف بمعاني كتاب الله سبحانه يعرف تأويله بوقوع هذه الأخبار كما أخبر بها صلى الله عليه وسلم، فليس هو في حاجةٍ إلى تلمُّس معانيها في بطون كتب التفسير وأجواف قواميس اللغة، فما عليه إلا أن يقرأ هذه الأخبار مسطورةً في كتب السُّنن والصَّحاح، والمسانيد، فإذا هو قائمٌ أمام حقائق التنزيل المحكمة، يرى تأويلها في الكون والإنسان والحياة، فلا يندُّ عنه منها واحدٌ، وإذا الواقع -بكونه وإنسانه وحياته- مجموعٌ إلى هذا الداعية المسلم، يتخير منه ما يشاء، ليزداد إيمانًا مع إيمانه أنَّ الله سبحانه جعل للدعاة إليه على معرفة وبصيرة، فضلًا على سائر النَّاس بما وهبهم إياه من معرفة بحقائق التنزيل، على وفق التأويل الواقع المشهود، في الإنسان والحياة والكون، يكون بها قادرًا بأدنى نظرٍ على إدراك التطابق الكامل، بين الخبر المنبىء عن الأمر الواقع الذي يحيط به الداعية المسلم علمًا بكلِّ ما في الواقع الحياتي من العلوم الإنسانية؛ النظرية والعلمية، التي ولَّدها العقل الإنساني فأصاب بها الإنسان خيرًا وشرًا، على الرَّغم أنها منه.
وليس أمر هذه العلوم بخافٍ عن الإنسان، سواءٌ الذي عاش هذه العلوم من بداياتها، أم الذي شهد قمّة ازدهارها، أم الذي تجرّع أوصاب بلائها، أم الذي سيولد وليس يدرك إلا نهايات فسادها.