الصفحة 134 من 291

ولستُ أعجب في هذه الدُّنيا إلاَّ من أولئك المسلمين الذين ملّكهم الله سبحانه مفاتيح المعرفة، بكلِّ ألوانها وأشكالها وأسبابها، ثمّ تراهُم يُدهشون أمام نظريّات الأمم والشُّعوب الأخرى، أحدثوها في حياتهم، بتجارب عمليّة، أو بنظريات عقلية، أو بتقديرات ظنّية، وبَنوها على واقع زمانيٍّ أو مكانيٍّ محدود، لا يتعدّى -على أوسع دائرةٍ تقديريةٍ- ملايين معدودة من البشر، وربّما كانت أخلاطًا متنافرةً بأصولها المختلفة في ألسنتها، وعاداتها، وألوانها، حتى في عقائدها، فإن تبني نظريّات على حدس، أو تجربة محدودة، لا تتجاوز رقعةً مكانيةً، أو دائرة زمانيّةً، فهذا لا يصلح أولًا قياسًا، يستجلب به أممٌ أو شعوبٌ أو جماعاتٌ إنسانيةٌ غير تلك التي بنيت أو أُسست عليها هذه النظريات العقليّة -إن كان يصلح-، وإن كان صلاحٌ، فإنما هو لفترة زمنية محدودة ضيِّقة.

ولا يخفى أنَّ بشريَّة الإنسان تنتهي -على أبعد مدى- عند حدود المقدور عليه عقلًا لدى الإنسان، وعقل الإنسان مخلوق فيه من ضعف ما فيه هو، والضّعف لا يشتدُّ حين يشتدُّ إلاَّ ليأخذ طورًا جديدًا في الضعف تقتضيه مراحل عمر الإنسان نفسه، وهذا ما يثبته القرآن العظيم وبصورة منذ الخلق الأول للإنسان في إيجازٍ بليغٍ {الله الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً} [سورة الروم: آية 54] .

أضف إلى هذا الوصف اللازم الذي لا ينفك عن الإنسان -بوصفه إنسانًا- ما يعتريه من شذوذات الفكر العارض، ومن الحاجات التي يُنشئها ضغط الانحرافات، ومن التصورات النفسية الحالمة، التي تلزم الإنسان إلزامًا بأعمال حسيَّة وتقديرية توافق هذه التصورات وفق ما تفرزه الرغبات البشرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت