الصفحة 135 من 291

وكلّ شذوذات الفكر، وحالات الانحراف، وتصورات النفس هذه، هي من صنع المدنية الصناعية الحديثة، صنعتها بلا ضوابط ولا حواجز، وحتى لو كانت ضوابط وحواجز، فهي من صياغة بشرية الإنسان، ما كانت هي في ذاتها صالحةً للحدّ من آثارها، وكلُّ آثارها فاسد لا يصلح.

ولو كان الإنسان يقصد إلى تدمير نفسه وعلمه وحضارته التي شادها بعرقه وجهده، ما زاد على ذلك لو كان قد فكّر في أن يدع للفكر الديني الموضوع من علم البشر أن يكون له دور -على ما فيه من أخطاء الوضع- ليعمل على الحد من تلك الآثار الفاسدة الناشئة من تلك الشذوذات.

ولقد ناءت البشرية - مذ سلخت نفسها عن العقيدة السليمة والدِّين النقي- بأحمالٍ من الهموم والأوجاع والآلام النفسية والجسدية المبرِّحة، وستظلّ على مثل ذلك، إلى أن تفكر في عزل نفسها عن تلك الشذوذات، ولن تجد نفسها في عزلةٍ عنها إلاَّ إن فكّرت وقدّرت في الحواجز والضوابط التي وضعها الله بوحيه للناس، وهي منه بتقديره وكلامه وإرادته، فهم مخاطبون بها، لأنَّ الله سبحانه أرادها، وأحكم تقديرها، وليس في وسع البشر أن يأتوا بمثلها، وكيف لهم ذلك وهم بشر أودع الله فيهم فطرة جِبِلّيَّة، ليكونوا بها قادرين على قَبول هذه الحواجز والضَّوابط التي خلقها ووضعها لهم؟

وتظلُّ الفطرة قادرة على قبولها ما دامت قاصيةً عن التأثيرات المصنوعة في غياب مقتضى العقيدة السليمة أمرًا ونهيًا، فعلًا وتركًا، إيجابًا وسلبًا.

لذا؛ فإنّه لا يحسن بنا أن نغلق عيوننا، ونصمّ آذاننا عن رؤية تلك الصورة الماثلة أمام عقولنا وسماعها، بكلِّ حركاتها وسكناتها، رسمتها يد الزّمن على رقعة الحياة البشريّة حين أعرض الإنسان ونأى بجانبه عن مقتضى الفطرة التي فطر الله الخلق عليها، بما صاغته يد المدنيّة الحديثة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت