ولو أنهم ظنّوا في أنفسهم ظنَّ الحَسن لنظروا في مستقبل الأمَّة بعين البصيرة، التي شامت حقائق العلم، ومباني الإيمان، وهداية الرّحمن، فأصبحت -وهمُّها الآخرة في اختلاط الأحوال، وتراكض الأهوال، وانتفاج الأموال- تكاد بها أن تكشف عن مكنون الأمور المودَعَةِ في خاصِّ علم الله سبحانه، بل ربّما وُهِبَ هذا المرء أو ذاكَ ملكةً مدركةً، يعرف بها بالتَّفرُّس -وفْقَ النّواميس والسُّنن الإلهية التي أقامها الله سبحانه- دلائل لا يخطئها حتى النظر العقلي المحض، فكيف إن اجتمع إلى هذا النظر العقلي، الفقه البصير بطبيعة تلك النواميس والسُّنن؟ ثم ما يكون من حرص صاحب هذا الفقه على وزن الأحداث الجارية في آفاق الحياة الإنسانية وواقعها وفق هذه النواميس والسُّنن؟
وأحسب أنَّ هذا كلّه من فقه قوله صلى الله عليه وسلم:"إنَّ لله تعالى عبادًا يعرفون الناس بالتّوسم" (74) فليهنأ أولئك الذين وهبهم الله بعلمهم، وتقواهم بصيرةً، فإذا المستقبل أمامهم صورةٌ واضحةٌ باطنُها كظاهرها، وأعلاها كأسفلها، ووجهُها مثل قفاها، وذلك أن من كانت له بصيرة بحقائق العلم، ومباني الإيمان، وهداية الرحمن، كانت له بها ملكةٌ يكاد يقرأُ بها في قلوب الناس بالنّظر في وجوههم، ويعرف ما في صدورهم بالتأمل في جباههم، ويرى ما يجول في خواطرهم في حركاتهم وسكناتهم.
والنَّاس هم الذين يصنعون الأحداث بإرادة الله وقدَره، وتجري في الأرض وفيهم بسنن الله ونواميسه التي لا تقبل التَّغير ولا التَّحول، فإذا ما أنزل صاحب هذه المَلكةِ فكرته المقدّرة على الأحداث الجارية أصاب -وفي وقت يسير- دقّة الصَّواب المحكم بما سيكون، وفق تقدير هذه المَلَكة، بوصلها بالسُّنن والنَّواميس الإلهية الثابتة.