الصفحة 131 من 291

إنَّ الأرض على رحبها، صارت صغيرةً جدًا، زويت أطرافها وجمعت، وضُمّت جهاتها وتدانت، حتى صار لا يخفى من أمرها شيءٌ، وأخرجت للناس أخبارها، وأظهرت لهم خبءَ أسرارها، فتساوى جميعهم في ذلك، ولم يَعُدْ واحد منهم يَفضُلُ لآخر إلاَّ بما يكون فيه من رغبةٍ في الإقبال، أو في الإدبار.

إنَّ غِربان ثقافات السّراب الشَّاسع في غرب وشرق وشمال وجنوب ينقلون إلينا -نحن في مهود النُّبوات- نعيبًا علا وعلا، حتى ملأ أسماعنا، وأثقل صدورنا، وأجهد عقولنا، إذ تشاكلت عندنا الأشياء المتباينة، وتنافرت الأشياء المتشابهة، ونُفجَ المكددون بالاتباع المهين بما ألقي إليهم في أيديهم، فكان منهم الوحيُ لبني جلدتهم، المتحدِّثين بلسانهم، الشّاربين معهم كأس عذاب واحد!! بكلِّ ضواري الفكر التي أفسدت عقول العباد وتُراب البلاد!!

فإلى متى؟ إلى متى؟

أكاد أقول أخيرًا: إنَّ فقهَ فقهِ الواقع، أن تدَعَ فقهَ الواقع، ليستحكم عندك فقه الواقع، فتكون من أعلم الناس، وأفقههم بفقه الواقع!!

وعلينا أن نستذكر دائمًا تلك القاعدة النَّبوية التي أرساها رسول الله صلى الله عليه وسلم -وقد رأى عُمر بن الخطّاب ينظر في التوراة- بقوله:"أمتهوِّكون فيها يا ابن الخطّاب، لو كان موسى حيًّا ما وسعه إلا اتِّباعي" (73) ، فإنه قاعدة عظيمة في هذا الأمر الذي غرقَ فيه متيّمون، وجَهِد فيه مُرمِلون، وأوفى على مسبغته جياعٌ عانون، فلجّوا في ضحالة فكرهم وتصورّهم يعمهون، وباتوا وأصبحوا على مثل شوك السَّعدان فهم لا يُغمصون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت