الصفحة 129 من 291

فماذا يا ترى ينتظر المسلمون أن يأتيهم به الله سبحانه؟! هل ينتظرون بغضاء تَنبُت بين ظهرانيهم، وحسدًا يطارد جمعهم، وذلًا يُطيح بهم، وفرقةً تضرب بِجِرانها فيهم، وسخائمَ سوداء تدبُّ بأرجلها بينهم، وجحافل من المنكر تسوقهم من أمامها، وأغلالًا من الآثام والمعاصي تُثقِل رقابهم ونواصيهم.

إن كانوا ينتظرون غير ذلك فإنَّ الغفلة تكون قد بلغت منهم مبلغًا، صاروا معها يرون القبيح هو الحسن، والشرّ هو الخير، واللَّيل هو النّهار، والسَّماء هي الأرض، والكلبَ هو الأسد، والحمارَ هو الحصان، والعَمى هو الإبصار، والمنكرَ هو المعروف، والمثلومَ هو السّليم، والمنقوصَ هو التّامَّ، والدَّنيّ هو الرَّفيع، ويكون قد صدق فيهم ذلك الأثر:"كيف أنتم إذا رأيتم المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا؟! كيف أنتم إذا أمرتم بالمنكر ونيهتم عن المعروف؟!".

إنَّ الأمَّة التي تصير إلى مثل هذه الحال، يكون عسيرًا عليها أن تنجوَ منه، وتنفضَ عن نفسها آثاره، وتنخلع من آثامه، وذلك يكلِّفها جهدٌ جهيد، وزمنٌ مديد، وعلى الأمَّة كلها، أن تنهض متنادية متداعيةً إليه حتى تمسك بحبل النَّجاة، وتظفر بخيط الرّجاء!! لكنْ أيّة أمَّة هذه؟

إنَّ الأمَّة كلّها تقف اليوم شاخصةً أبصارُها، مهطعةً أمام أعدائها، تمشي على الشَّوك وتظنُّ أنها تمشي على العشب النّاعم الأخضر!! ويملأ صدورها نتنُ الحضارة الحديثة والمدنيّة المجلوبة، وتخال أنها تستبق أريج الرَّبيع!! وتختال في كبرياء الذُّل السَّاحق، وتحسب أنها قد لامست برؤوسها أديم السَّحاب!! لو لم تفقه من الواقع إلاَّ هذا، لكفانا فقهًا لواقعنا!!

يا الله! ما أوسع حلمك!

يا الله! ما أجلَّ عفوك!!

يا إلهنا! ما أعظم فضلك!!!

أمَّةٌ عبثت بعقلها في شريعتك.

وأوغلت بجوارحها في معصيتك.

ودبّت بأهوائها في أكناف دينك.

وحلمك قد وسع العاصي منها قبل الطائع.

وعفوك قد أظلَّ المسيء قبل المحسن.

وفضلك قد أدرك المعرض قبل المقبل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت