ولما أن فرغ الشيطان من أمرهم وقف يناديهم: هلمّوا إليّ يا أهل طاعتي! ويا خاصّة أوليائي! ويا قرّة عيني!! لقد وعدكم الله وعد الحقِّ وأمركم بطاعته فأبيتموها، ونهاكم عن معصيته فأتيتموها، فكان منكم أن أخلفتم موعد ربكم، وصدَّقتم موعدي، فما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخيَّ، فعليكم بأنفسكم، فلا أنا منكم ولا أنتم مني، ولا مردّ إلى ربكم منكم من سبيل، فقد صارت أزمَّةُ قلوبكم بيد الشَّهوات، ومقاودُ عقولكم بيد الأهواء، واستحوذ على نفوسكم حبُّ الدُّنيا، وأذلّكم أطماعها، وقد حذّركم من ذلك كلّه نبيُّكم، فما أطعمتوه، وأقامكم على المحجَّة فما أجبتموه، وها أنا ذا أُدْبِرُ عنكم بعد أن أصارتكم الأهواء والشَّهوات، والأطماع إليَّ {إِنِّي بَرِيءٌ مِّنْكُمْ إِنَّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنَّي أَخَافُ الله وَالله شَدِيدُ الْعِقَابِ} [سورة الأنفال: آية 48] .
وما ابتُليَ المسلمون في زمانٍ بمثل ابتلائهم بغلبة شهوة المال والنساء عليهم، وما حذّرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من شيء، بأكثر ممَّا حذّرهم من المال وسطوته، والمرأة ومكرها.
ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:"الدُّنيا حلوة خضرة، وإنَّ الله مستخلفكم فيها فناظرٌ ماذا تعملون، فاتَّقوا الدُّنيا واتَّقوا النساء؛ فإنَّ أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء" (70) .
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:"ما تركتُ بعدي فتنةً أضرّ على الرِّجال من النساء" (71) .
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:"ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تُبسط الدُّنيا عليكم كما بُسِطَت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافَسوها فتهلككم كما أهلكتهم" (72) .
ولست أحسب أنَّه يغيب عن المسلمين أن كل ما حذّرهم منه نبيُّهم صلى الله عليه وسلم مما سيكون فيهم من بعده، إلاَّ وقد كان فيهم كما أخبر وحذَّر، وما يكاد ينجو منه إلا من رحم ربُّنا، وقليل ما هم.