الصفحة 127 من 291

ولا يَحْسُنُ أن يغيب عن مسلم عاقل -مثقفًا كان أم غَيرَ مثقّف- أنَّ لهؤلاء الصُّنَّاع المهرة من أعداء الأمَّة أولياء بَرَرة يُصدِّقونهم، ويُخلصون لهم في سرٍّ وعلانيةٍ، ولا يبخلون عليهم بشيء يُطلبُ منهم، ولو على حساب كرامتهم، ومروءتهم، بل وعلى حساب دينهم وعقيدتهم، فهم يهرعون إليهم مسرعين في كلِّ وقتٍ، وفي أيِّ مكان، يحنون لهم قاماتهم المديدة، يبذلون لهم الطاعة في صدقٍ وإخلاصٍ وحبٍّ، لا يعرف إلاَّ الوفاء!! والإخلاص الذي لا يُرى معه إلا التَّقصير في الأداء!! وهؤلاء كثرٌ في الأمَّة اليوم، يزيدون ولا ينقصون.

وهذا ممَّا يؤكده قوله صلى الله عليه وسلم:

"يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كلِّ أفق كما تداعى الأكلَة على قصعتها، قيل: يا رسول الله! فمن قلّةٍ يومئذٍ؟! قال: لا، ولكنّكم غُثاء كغثاء السَّيل، يُجعل الوهن في قلوبكم، وينزع الرُّعب من قلوب عدوكم، لحبِّكم الدُّنيا وكراهيتكم الموت" (68) .

حديثٌ يصوِّر واقع الأمَّة، بكلِّ ما أجلبت على نفسها من أسباب الخذلان والتنازع والفرقة، وذلك بإقبالها على الدُّنيا الفانية، وزخرفها الفاتن، ومتاعها الآسن، أغرقت به نفسها في لجّة التِّيه الآبدة، وذهبت فيها مع شهواتها كلَّ مذهب، وأوغلت في بيداء مربعة الإذلال والاضمحلال، والشتات، وأوفت على غايةٍ من اليأس، نفضَ الشيطان عندها يديه من قدراته الماكرة التي أذلّ بها الخلائق بمعاصيهم، وأرغم آنافهم لوحيه الشَّرِه بالذُّنوب، والآثام، وطفق من بعدها يغريهم ساخرًا بالعودة إلى الطَّاعة، ولكن أنَّى!! وقد صارت فيهم الذنوب والآثام والمعاصي إلى حالٍ؛ لا تنزع عنهم إلا بفطرةٍ أخرى جديدة يبدلها الله بها، تُحوِّلهم من هذه الحال التي صاروا إليها إلى الحال التي كانوا عليها من قبل!! (69)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت