ولا أحسب أنَّ مسلمًا عاقلًا اليوم -مثقفًا كان أم غير مثقّف- يجهل أمرًا يكاد ينطق في النّاس بلسان عربيٍّ غير ذي عوج، وهو أنَّ الأمَّة المسلمة اليوم مكبَّلةٌ بأغلال ثقيلة أوثقتها بالأرض، فلا تستطيع معها حراكًا، إلاَّ أن يأذن لها به صانعو هذه الأغلال، وما كان صُنْعُ صانعيها لها إلاَّ لكي تظلّ هذه الأمَّة -التي قال الله فيها: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [سورة آل عمران: آية 110] ، رازحةً تحت ثقل الذل، والهوان، والضياع، والتنازع، والاختلاف، والتفرُّق، والإحساس بالديمومة -التي لا تنزع عنها- من خشية، تلبس قُمُصها، وتترسل بها، بل وتتخذها زينة لها، لا تُحسنُ إلقاء شيءٍ منها إلاَّ أن تتضرّع إلى صانعي تلك الأغلال تضرّعها إلى خالقها، بل وأشدُّ تضرعًا!! فيكون منَّا -عياذًا بالله تعالى- مضاهاةٌ لمن قال الله فيهم: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ الله أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ الله} [سورة البقرة: آية 156] ، ونسيت الأمة شطر الآية الآخر: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لله} فكان أن تسلّط عليها الأعداء من كلِّ جانب، وأوفروا لها في أنفسهم وفي أيديهم من أسباب الانتقاص لأرضهم، والاستعباد لقلوبهم وعقولهم، والاستيلاء على أموالهم وثرواتهم، ما لا يُحصى ولا يُعد، وما لا قِبلَ لها بترجمته إلا بحروف وكلمات أعجمية، فيها شوائب الرّطانَةِ وأمشاج الاستغراب، وأخلاط الاستشراق، فلا تهمس -إن همست- إلا بها، ولا تحرِّك لسانًا، -إن حرَّكته- إلا بإرادةٍ مُلْجَمةٍ بِلجامٍ من غير مسَدِ أرضها.