ويتعدّى تحريضهم هذا، لينال من العلوم الإسلامية والعربية كافَة، التي قامت على عقول العلماء، وألقت بها في الأسماع ألسنتُهم، وسطّرتها في الصّحائف أقلامُهم على امتداد القرون، وتعاقب الأيام واللّيالي، في غير كَللٍ ولا ضجرٍ، ولا حرصٍ على مالٍ ولا شهرةٍ، ولا ابتغاء رضوان واصلٍ بنفع دنيوي يُرتجى.
وقد فُتن بهذه المقولة الجائفة الزائفة -ولكن على نحو آخر- كثيرون من أصحاب المنهج الحقّ، وأخذوا يتتبعونها في مظانّها، في الكتب والرسائل والمجلاّت والمحاضرات والندوات، وشغفوا بالمبدعين الداعين لها، المروِّجين لفلسفتها وهُجنتها، حتى صرفهم اشتغالهم بهذا الفقه؛ فقه الواقع -أو كاد عن الواقع نفسه، و أصارهم اسارى له في فترة زمنيّة وجيزة.
ومما ساعد على سرعة انتشار هذه المقولة، وتجميع الأنصار المعجبين بها وبدُعاتها، الأحداثُ العاتية التي اصطنعها أعداء الملّة، ليجتثُّوا بها الدِّين والمال والأخلاق من أرضنا، جمعوها في جرابٍ واحدٍ، وأطلقوها جامحة في أرض الجزيرة والفُراتين، لِتأكُل الأخضر واليابس معًا، بما أسموها:"حرب الخليج"؛ فنالت بضرِّها من كلِّ ما ينسب إلى العروبة والإسلام.
ولو كنّا ممّن يدّعي الكشف -وحاشا- لأفضينا للناس بصحائف من الغيب، قرأناها بعقولنا وبصائرنا من أوّل يوم بدأت فيه فتنة الخليج، لم يغب فيها عنّا غائبةٌ مما حملته تلك الفتنة العمياءُ منذ يومها الأول، وحتى وضعت أول أوزارها، وإلى أن تتمخّض عن آخر أوزارها، وإن كنتُ لا أدري متى سيكون مخاضها الأخير لتنتج آخر تلك الأوزار، نسأل الله العافية والسَّلامة، حتى وإن بدا للنَّاس أنَّها قد وضعت أوزارها، أعاذنا الله من سوء عاقبتها.
ووالله ما كان من شغفٍ بفقه الواقع، ولا بصرف جهدٍ ولو بيسيرٍ نحوه، ولا برغبةٍ في تعريف النّاس به، والتّفاخر فيه، إنما كان بأمرين اثنين: