وحين قرأت منه ما قرأت، رأيت فيه من الطَّامات الرَّاكدات والجانحات ما لا يُحصى ولا يُعدُّ، لو أُفْرِدَت كلُّ طامَّةٍ منها بكتاب لأسرع الفناء إلى كلِّ ما أتت عليهن، فكيف وقد اجتمعت كلُّها بين دِفَّتي كتابٍ واحدٍ، روَّجت له مؤسَّسات علميَّةٌ، وتوفَّرت على الدَّعوة لقراءته والإفادة منه دوائر إعلامية، وبُذلت في طباعته ونشره وتوزيعه الأموال الكثيرة الطَّائلة؟!
وأحضَرْتُ له بعضًا من تلكم الطَّامَّات، وأبَنْتُ له ما فيها من كفرٍ صريحٍ ظاهرٍ، وزندقةٍ خفيَّةٍ باطنةٍ، فانتابه العجب، وأخذت منه الدَّهشةُ كلَّ مأخذ، فقد كان يحسب أنَّني سأوافقه في إعجابه بهذا الكتاب، وأدعو الناس إلى قراءته، ولو مرَّة واحدة!!
فلما تبين له أنَّ هذا الكتاب هو الباطلُ الزَاهق، والكفر الحائق، علم أنه -وعلى زعمه أنه قارىءٌ واسع الثقافة- ليس على شيءٍ -على الأقل- من الثقافة الإسلامية الواعية، التي يرجو به أو يؤمل النجاة، من وبير!! أو من دبير!! وأنه لا يصيب خلوصًا من فتْل ما ظنّه شديدًا محكمًا، إلاَّ ونقضه، وفتله مرة أخرى إن بقي فيه ما يصلح أن يُفتل بمرّة!!
والقارىء هذا الكتابَ وغيرَه من كتب أخرى تشبهه -وما أكثرها في هذه الأيام- يعلم علم اليقين أن مؤلفيها وجامعيها، ما نهضوا إليها تأليفًا وجمعًا، إلا ليترجموا بها وفيها ترجمة عملية تلك المقولة:"ضرورة فقه الواقع، وحاجتنا الملحَّة لاستظهار ما فيه، وبيانه للناس بيانًا علميًّا، يوقِفُ الجيلَ على بواطن الأمور وجليِّها، فلا يفوتهم منه إلا ما يُدرَك بظنٍّ ولا رغبة في تحصيله"ثم تراهم يعمدون إليها، يشرحونها شرحًا مفصلًا يَلفِتونَ به عقول الناس -وبخاصَة الشَباب منهم- إليهم في تحريض خفيٍّ ذكيٍّ، على الفقه الإسلامي، يكسرون أبوابه كسرًا مروعًا، حتى لكأنما يثأرون لأنفسهم من أصوله، وقواعده، ومسائله، وفروعه.