ولا زلت أذكر أنَّ صديقًا لنا أتاني بكتابٍ ضخمٍ، عنون له مؤلِّفه بـ:"القرآن والكتاب"، وهو مُعجبٌ أشدَّ الإعجاب به، وبمؤلِّفه، الذي جاءَ -على حدِّ قوله- بنظريَّة تجديديَّة شموليَّة، لم يُسبق إليها، هَدَم بها الكثير الكثير ممَّا تركه السَّابقون، وصار عند اللاَّحقين حقائق مسلَّمة، مطهَّرة، لا يجوز الحومُ حولها بريبةٍ، أو الدُّنو منها بنقدٍ يُرادُ به مسُّ طهرها، أو انتقاصها!!
وقال: لقد قرأت هذا الكتاب أربع مرَّات، وفي كلِّ مرَّةٍ يزداد إعجابي ورغبتي في إعادة قراءَته، فهو ثورة فكريَّة علميَّة، تستمدُّ قوَّتها من الواقع المعاصر الحديث، الذي يجب أن يكون هو المكيال الذي تُكال به الثَّقافة والمعرفة، وإليه تردُّ حتى الحقائق المسلَّمة من كلِّ العلوم الإسلاميَّة والعربيَّة، ذلكم أنَّه -الواقع- أثبت أشياء كثيرة جدًَّا، وكشف عن مجهولاتٍ لم يكن في حساب العقل الإنسان أن تكون، وأظهر أسبابًا ووسائل معرفيَّةً جديدةً وَصَلَتِ الإنسانَ بعوالمَ كانت خيالاتٍ دائرةً في الفضاء المجهول الرَّحب، حتى صارت هي الواقع، والواقع هي، وحتى أصبح عسرًا جدًَّا على الإنسان -الذي خاطبه الله من أوَّل يوم أنزل فيه الوحي على نبي الرَّحمة والهُدى، بالعلم وآلته-: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [سورة العلق: الآيات 1-5] أن يُميِّز الواقع المنظور المشهود المُحسَّ وبين المعرفة التي تُحدِّدُ معالمه، وترفع اللَّبس عن متشاكله، وتزيل الخفاء عن دقيقه وخفيِّه.
كان هذا موجزَ ما حدَّثنيه هذا الصَّديقُ عن هذا الكتاب.