مرة أخرى بعد أن نعود ترابًا. إن الذي ظهرت حكمته من خلقنا وأطوار خلقنا لا شك أنه قد أراد حكمة من موتنا ستظهر إن انتقلنا إلى طورنا الجديد بعد الموت .. إن الذي أتقن خلق الإنسان من نطفة تمنى لن يتركه يذهب سدى .. إن الذي أقام الحق في الأرض والسماء سيقيم الحق فيما عمل الإنسان من خير وشر فيجزي المحسن ويعاقب المسيء في يوم الحساب .. إن الذي بعث الرسل مبشرين ومنذرين من يوم الحساب بعد الموت في كل أمة لن يخلف وعده وسيصدقه رسله .. إن علامات قرب الساعة قد ظهرت في الدنيا كما أخبر محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فما بقي إلا أن نرى الساعة كما رأينا اليوم علاماتها. ولقد ثبت أن الأرض تحتفظ بسجل لأعمالنا (الصوت والصورة) وما حفظ وسجل إلا لعرضه مرة ثانية. قال تعالى: {إِذَا زُلْزِلَتْ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتْ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} (سورة الزلزلة: آية ا- 4) .
إن الذي يبدأ الخلق ثم يعيده قادر على إعادة خلقنا مرة ثانية كما بدأه أول مرة.
إن الأمر خطير إذن ... إنه أمر المستقبل الدائم والمصير الدائم.
إما حياة النعيم ... أو حياة الجحيم.
ولن يزول عنك الخوف من مستقبلك المجهول إلا إذا تحققت من صدق رسل ربك وتأكدت أن ما أخبروك به هو الحق من ربك الذي أحياك ويميتك ويبعثك وعندئذ تهدأ خواطرك وتسعد حياتك، ويذهب عنك القلق والفزع من المصير المجهول الذي ينتظرك ولكن ذلك كله لن يكون إلا إذا آمنت بالله ورسوله لذلك كله كان أول واجب على الإنسان أن يؤمن بالله تعالى وأن يعرف رسول الله إليه.
أعظَمُ صلة
إن الإنسان العاقل يحس وشعر بضعفه أمام قوة خالقه الذي يتصرف به كيفما يشاء، فربه الخالق المالك وهو المخلوق المملوك، وربه القوي العزيز الوهاب وهو الضعيف الخائف المحتاج، وربه الغني وهو الفقير، وربه الحاكم المسيطر القهار، وهو المستسلم الخاضع لحكم ربه، والإنسان حائر متردد جاهل وخالقه العليم الهادي المرشد الذي علم الإنسان ما لم يعلم. فما أحوج المخلوق المملوك الضعيف الخائف إلى خالقه المالك القوي المؤمن العزيز الوهاب.
وما أحوج الإنسان الفقير الخاضع المستسلم إلى ربه الغني الحاكم المسيطر القهار.
وما أحوج العبد المتردد الحائر الجاهل إلى إرشاد سيده، المرشد الهادي العليم.
إن الإنسان في أمَسّ الحاجة لتحقيق صلة دائمة بربه فإن حققها أمن المخاوف وعاش في ظل رعاية ربه، واثقًا مطمئنًا سعيدًا، كما يشاهد في أحوال المؤمنين الصادقين وكما عرف من تاريخ المسلمين الصادقين. لكن هذه السعادة وهذه الرعاية والألطاف الإلهية، والنصر والتثبيت لا تتحقق إلا بعد تحقق أهم صلة بين المخلوق وخالقه تلك هي صلة إيمان المخلوق بخالقه.