وماضينا ومستقبلنا وحكمة خلقنا مما لا سبيل لنا أن نتعلمه من أنفسنا قال تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} (2) (سورة البقرة: آية 151) ولكن المؤمن لا يصدق إلا رسول الحق الذي اطمأن إلى صدقه، وجاء بالأدلة على رسالته ونبوته فعندئذ يصدق ما جاء به لأنه أحق من يصدق لأنه ينقل العلم عن رب السماوات والأرض الذي {قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} (سورة الطلاق: آية 12) {عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} (سورة سبأ: آية 3) وطريق تصديق الرسل الذين أثبتوا لنا صدق رسالتهم وجاؤونا بالبينات كما قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ} (سورة الحديد: آية 25) .
هذا الطريق هو الطريق الثاني للإيمان بالله وهو يحث على الطريق الأول، ويوضح ما خفي ويكمل معرفة الناس بربهم، وهو نفس الطريق الذي اعتمده العقلاء لطلب العلم من كل عالم يوثَق بعلمه وإيماننا بصدق رسالة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم يأتي مرة ثانية على هذا الطريق طريق السماع من جهات موثوقة وأطراف متعددة يستحيل أن يجتمع على الكذب فإذا سمعنا المسلم الصيني والهندي والباكستاني والإيراني والعراقي والتركي والسوري واللبناني والأردني والفلسطيني ومن في الجزيرة العربية والمصري والسوداني والليبي والتونسي والجزائري والمغربي والموريتاني والنيجيري والسنغالي والمالي والتشادي والصومالي والحبشي والتنزاني والأريتري و الأندنوسي و الملاوي وغيرهم يحدثك عن تاريخ بلاده وتاريخ دخول الإسلام إلى أرضه وعن قادة الفتح الإسلامي لبلاده عندئذ ستجد تاريخ هذه البلدان يصدق بعضه بعضًا ويشهد بعضه لبعض، ويستحيل أن يتواطأ أهل هذه البلدان المختلفة والأجناس المتعددة واللغات المتباينة والأفكار المتباعدة على كذب أو باطل يرويه الناس جميعًا.
فإذا سألنا المسلمين في هذه الأقطار كيف كان إيمان الفاتحين ودعاة الإسلام الذين وصلوا إليكم دعاة إلى الدين، فعندئذ يجيبك الراوي للتاريخ بأن البشرية لم تعرف فاتحًا مؤمنًا بدينه يرجو ما عند الله ويحذر الآخرة مثل هؤلاء المسلمين مما جعل هذه الشعوب المفتوحة تقتنع بصدق إيمانهم وإخلاص نواياهم لربهم وصدق إيمانهم برسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلت معهم في دين الله وحافظت على الصلاة والزكاة والصوم والحج وتخلقت معهم بأخلاق الإسلام، وحكمت بشريعة الإسلام كل ذلك بعد أن شهدت معهم أن لا اله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. ولقد كان هذا بعد عداوة وحروب وقتل وتشريد فحولت العداوة إلى أخوة والبغضاء إلى محبة، والقتال إلى سلم وانتصار من الجميع لدين الله ضد أعدائه. ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم.