47 فالشيخ جد واع بالجهل و الانحطاط الأخلاقي التي قنع الناس بها، مما حدا به إلى التصدي للبدع و الانحرافات المتفشية بين قبائل المنطقة، و تشيد المصادر بمواقفه المتشددة ضد الممارسات البدعية، و مسعاه الثابت لمحوها و إماتتها، إضافة إلى تهربه من العامة، خاصة أولئك الذين تعودوا الخصومات 1. كما كان الشيخ يستعمل نفوذه الروحي و المعنوي لإحلال السلام بالمنطقة، و إصلاح ذات البين بين القبائل 2، و ذلك حرصا منه على السلم و استتباب الأمن؛ إذ لم يكن يتأتى لأشياخ القبائل أو ممثلي السلطة المركزية بتارودانت التصدي للنزاعات التي كانت تعني الجماعات، و مدارها في غالب الأحيان: الأرض، و الماء، و الثأر. . . و من عادته أيضا إرسال الرسائل إلى القبائل ينبهها من آفة الانقسام، و يدعوها إلى الصلح و الاستقامة 3، أو يتدخل مباشرة للقضاء على الفتن كلما جنحت إلى الحرب في نطاق نفوذه (قبائل أمانوز، إيسي، أملن) ، أو يتعداه ليشمل قبائل أخرى كما هو الشأن بالنسبة لمنطقة أسا؛ يقول في إطار حديثه عن محمد بن عمرو اللمطي: «و قد زرناه، ثم قصدناه لصرف شدة، و إطفاء فتنة (. . .) ، و ذلك أن قبائل تلك الناحية اجتمعوا عنده وقتئذ فثارت الفتنة بينهم» 4.
و لم يكن دوره منحصرا في فصل النزاعات المرتبطة بقضايا المجتمع آنذاك، بل تصدى عمليا لتنفيذ الأحكام، حرصا على تماسك الكيان القبلي و وحدته الدينية و دوام السلم بالقبيلة 5.
للإشارة، فقد كانت لآراء المكاوي-المشار إليه سابقا-الوقع الكبير في نفس الحضيكي، و هو آنذاك شديد التأثر و الاستجابة للأفكار و المواقف التي كان الثائر يروجها بين عامة الناس 6، و كان مترجمنا من المساندين لهذا الشخص، و لما تفطن إلى بدعته و كذبه، و رأى فيها وسيلة التجأ إليها للوصول إلى المال و التلصص و التدجيل باسم الدين، تبرأ منه، و دعا أنصاره إلى مهاجرته و مقاطعته 7، و ذلك تعبيرا عن إيمانه بضرورة تجاوز التفرقة.
1)الجشتيمي: م. س.، ص. 4.
2)نفسه: 2، 4، المعسول: 6/ 251.
3)الحضيكيون: 4 - 7.
4)الطبقات: 233 - 375.
5)أشار الجشتيمي إلى تشدده تجاه البدع و الخارجين عن الشرع، و تعدى الأمر إلى مستوى إعطاء الأوامر بقتل شخصين ثبتتزندقتهما. (راجع الحضيكيون: 8، التاغرغارتي: 13) .
6)الجشتيمي: م. س.: 9، المعسول: 14/ 25.
7)الحضيكيون: 9.