فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 30

لتقتدي بخير الورى، وأفضل مَن خَطَّ الخُطى فوق الثرى - صلى الله عليه وسلم - الذي أوذي في الله أشد الأذى، وناله من صنوف البلايا وأنواع الرزايا ما يفوق الوصف، ويربو فوق الخيال، وهو الذي جاءهم بالخير من ربهم؛ ليخرجهم من الظلمات إلى النور، وليسوقهم إلى ربهم سوقًا جميلًا.

فقد وضعوا سلى البهائم فوق رأسه، ودسوا السم في طعامه، وهموا بقتله بردمه بالحجارة من فوقه، وإلقائه من فوق راحلته، وأدموا عقبيه بالحجارة، وحاصروه في الشعب، وخنقوه حتى كادوا يقتلوه، ورموه بكل باقعة من السحر والكذب والجنون وغير ذلك من المثالب، وقتلوا أصحابه بين يديه، وطعنوا بخنجر الغدر أحب الناس إليه، وأخرجوه من بلده الذي درج فيه، ولو لم يكن في سجلات أخطائهم إلا ما فعلوه بأسد الله وأسد رسوله - صلى الله عليه وسلم - حمزة بن عبد المطلب - رضي الله عنه - لكفى، فقد قتلوه غيلةً، ومثلوا بجسده، وأكلوا من لحمه، ولاكوا كبده، وشربوا الخمر في تجاويف جمجمته.

فما أوذي بشر في الله كما أوذي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «ما أوذي أحد ما أوذيت في الله» [1] .

فماذا كان فعله؟!

قال أبو عبد الله الجدلي: سألت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا، ولا صخابًا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح [2] .

وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن يهودية أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - بشاة مسمومة، فأكل منها، فجيء بها، فقيل: ألا نقتلها؟! قال: «لا» [3] .

فهل أصابك ما أصابه؟! وهل نزل بساحتك ما ألم به؟!

أتدري ما قال؟ «اذهبوا فأنتم الطلقاء» .

فهل تقتدي به، وتتأسى بفعله؟! فنقول بها لكل من تعدى عليك وأضر بك: اذهبوا فأنتم الطلقاء؛ لتنال بركة الاقتداء بخير الأنبياء؟!

وتذكر ما وقع للصالحين قبلك؛ كالأنبياء والرسل والأمثل فالأمثل ..

ومن ذلك ما رواه عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: لما قسم النبي - صلى الله عليه وسلم - قسمة حنين قال رجل من الأنصار: ما أراد بها وجه الله! فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته، فتغير وجهه، ثم قال - صلى الله عليه وسلم: «رحمة الله على موسى لقد

(1) أخرجه الديلمي وأبو نعيم في الحلية، انظر: السلسلة الصحيحة (5/ 259) (222) .

(2) صحيح سنن الترمذي (2/ 196) (1640) .

(3) صحيح البخاري (3/ 196) (2616) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت