الصفحة 27 من 51

إلى ضعة وعجز وذنب وخطيئة؛ بل يكلؤه كلاءة الوليد الذي لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا؛ فأول ما يبدأ به: (الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور) متدبرًا لمعناها من ذكر نعمة الله عليه بأن أحياه بعد نومه الذي هو أخو الموت وأعاده إلى حاله سويًا سليمًا محفوظًا مما لا يعلمه ولا يخطر بباله من المؤذيات أو الأذى ... ثم يدعو ويتضرع، ثم يقوم إلى الوضوء بقلب حاضر مستصحب لما فيه، ثم يصلي [1] ما كتب الله صلاة محب ناصح لمحبوبه متذلل منكسر بين يديه، لا صلاة مدل بها عليه، يرى من أعظم نعم محبوبه عليه أن أقامه وأنام غيره، واستزاره وطرد غيره وأهله وحرم غيره؛ فهو يزداد بذلك محبة إلى محبته، ويرى أن قرة عينه وحياة قلبه وجنة روحه ونعيمه ولذته وسروره في تلك الصلاة؛ فهو يتمنى طول ليله ويهتم بطلوع الفجر، كما يتمنى المحب الفائز بوصل محبوبه ذلك؛ فهو كما قيل:

يود أن ظلام الليل دام له ... وزيد فيه سواد القلب والبصر

فهو يتملق فيها مولاه تملق المحب لمحبوبه العزيز الرحيم، ويناجيه بكلامه معطيًا لكل آية حظها من العبودية فتجذب قلبَه وروحه إليه آيات المحبة والوداد، والآيات التي فيها الأسماء والصفات، والآيات التي تعرَّف بها إلى عباده بآلائه وإنعامه عليهم وإحسانه إليهم، وتُطيبُ له السير آيات الرجاء والرحمة وسعة البر والمغفرة؛ فتكون له بمنزلة الحادي الذي يطيب له السير ويهونه، وتقلقه آيات الخوف والعدل والانتقام

(1) المراد بالصلاة هنا قيام الليل في الثلث الأخير من الليل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت