وأما السابقون المقربون فنستغفر الله الذي لا إله إلا هو أولًا من وصف حالهم وعدم الاتصاف به، بل ما شممنا له رائحة؛ ولكن محبة القوم تحمل على تعرف منزلتهم والعلم بها، وإن كانت النفوس متخلفة منقطعة عن اللحاق بهم ففي معرفة حال القوم فوائد عديدة.
فنبأ القوم عجيب، وأمرهم خفي إلا على من له مشاركة مع القوم؛ فإنه يطلع من حالهم على ما يريه إياه القدر المشترك، وجملة أمرهم أنهم قوم قد امتلأت قلوبهم من معرفة الله، وغمرت بمحبته وخشيته وإجلاله ومراقبته، فسرت المحبة في أجزائهم فلم يبق فيها عرق ولا مفصل إلا وقد دخله الحب؛ قد أنساهم حبه ذكر غيره، وأوحشهم أنسهم به ممن سواه، قد فنوا بحبه عن حب من سواه، وبذكره عن ذكر من سواه، وبخوفه ورجائه والرغبة إليه والرهبة منه والتوكل عليه والإنابة إليه والسكون إليه والتذلل والانكسار بين يديه عن تعلق ذلك منهم بغيره؛ فإذا وضع أحدهم جنبه على مضجعه صعدت أنفاسه إلى إلهه ومولاه، واجتمع همه عليه متذكرًا صفاته العلى وأسماءه الحسنة، ومشاهدًا له في أسمائه وصفاته، قد تجلت على قلبه أنوارها فانصبغ قلبه بمعرفته ومحبته؛ فبات جسمه في فراشه يتجافى عن مضجعه، وقلبه قد أوى إلى مولاه وحبيبه فآواه إليه وأسجده بين يديه خاضعًا خاشعًا ذليلًا منكسرًا من كل جهة من جهاته.
فيا لها من سجدة ما أشرفها من سجدة؛ لا يرفع رأسه منها إلى يوم اللقاء .. فإذا استيقظ أحدهم إلى قلبه هذا الشأن فأول ما يجري على لسانه ذكر محبوبه والتوجه إليه واستعطافه والتملق بين يديه والاستعانة به؛ أن لا يخلي بينه وبين نفسه، وأن لا يكله إليها؛ فيكله