الصفحة 18 من 29

أخباره:

كان حارثة بن سراقة رضي الله عنه حين استشهاده غلامًا يافعًا ورعيًا تقيًا عازفًا عن الدنيا مقبلًا على الآخرة يتربص الشهادة في سبيل الله.

وتراه رضي الله عنه يعبر بدقة عن هذه الحالة الوجدانية التي تكتنف كيانه وتلهب مشاعره وإحساسه وهو يخاطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد سأله عن حاله: «يا رسول الله عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري وكأني بعرش ربي عز وجل بارزًا. وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتعاوون فيها» . قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «الزم عبد نور الله الإيمان في قلبه» .

وهنا يتجلى لنا إيمان حارثة رضي الله عنه بكل عنفوانه, ذلك الإيمان الذي تسمو به النفوس وترتقي إلى عالم الخلد واليقين عند رب العالمين, يتجلى إيمانه حين يرجو حبيبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو له بالشهادة في سبيل الله فيجيبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى رغبته وغاية مناه.

ولعل المتأمل في هذا الفيض الإيماني العظيم يتوقف مليًا عنده، فالإنسان عادة في هذه المرحلة المبكرة من الحياة يكون مشدودًا ولو بدرجات متفاوتة إلى الدنيا وزخرفها تحفه الآمال والطموحات والمشروعات. ولكن كل هذا لم يكن يدور في حسبان حارثة رضي الله عنه. بل كان يسعى حثيثًا نحو لقاء ربه للفوز برضوانه والخلود في جناته.

ولقد تحقق له ما كان يرجوه ويبتغيه، إذ كان حارثة رضي الله عنه يعمل «نظَّارًا» يرصد ويراقب حركة العدو وخطوط دفاعه وقدراته القتالية، وهنا آتاه سهم غَرْب - أي طائش - لحظة وقوفه على حوض ماء منصوب ليشرب منه: أصاب نحره فسقط شهيدًا، فكان أول شهيد ببدر من الأنصار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت