الثاني: أن كونه شرًا هو أمر نسبي إضافي، فهو خير من جهة تعلق فعل الرب وتكوينه به، وشر من جهة نسبته إلى من هو شر في حقه، فله وجهان هو من أحدهما خير وهو الوجه الذي نسب منه إلى الخالق سبحانه وتعالى، خلقًا وتكوينًا ومشيئة، لما فيه من الحكمة البالغة التي استأثر بعلمها، وأطلع من شاء من خلقه على ما شاء منها.
ثم مثل ابن القيم - رحمه الله - بقطع يد السارق فهو شر بالنسبة إليه، وخير محض بالنسبة إلى عموم الناس؛ لما فيه من حفظ أموالهم، ودفع الضرر عنهم، وخير بالنسبة إلى متولي القطع أمرًا وحكمًا، لما في ذلك من الإحسان إلى عبيده عمومًا بإتلاف هذا العضو المؤذي لهم المضر بهم، فهو محمود على حكمه بذلك وأمره به، مشكور عليه، يستحق عليه الحمد من عباده، والثناء عليه، والمحبة له.
ومثل أيضًا بقتل الصائل عليهم في دمائهم وحرماتهم ... إلى أن قال: «وتأمل طريقة القرآن في إضافة الشر تارة إلى سببه، ومن قام به، كقوله تعالى: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [1] ، وكقوله تعالى: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ} [2] ، وتارة بحذف فاعله، كقوله حكاية عن مؤمني الجن: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} [3] . فحذفوا فاعل الشر ومريده، وصرحوا بمريد الرشد إلى غير ذلك من الأمثلة التي ذكرها رحمه
(1) سورة البقرة، آية: 254.
(2) سورة الزخرف، آية: 76.
(3) سورة الجن، آية: 10.