فهرس الكتاب

الصفحة 602 من 964

ومنها: أن يدل العقل عليهما؛ نحو: وَجاءَ رَبُّكَ [1] أى: أمره أو عذابه [2] .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الثانى: أن قوله: أدلته كثيرة منها أن يدل العقل لا يصح؛ لأن يدل العقل ينحل إلى دلالة العقل، فكأنه قال: أدلته الدلالة، وهو فاسد. وتأويله: إما بأن يؤول الأدلة على الدلالات وهو الأولى، أو يؤول: أن يدل بالدلالة التى بمعنى الفاعل، كما هو قول فى: عسى زيد أن يقوم. كما يؤول الموصول الحرفى وصلته بالمصدر، بمعنى المفعول في قول ضعيف، ذكره جماعة في قوله سبحانه: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [3] وقوله سبحانه: وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ [4] ويقرب مما نحن فيه، قولك: زيد أكرم على من أن أضربه. نقل الشيخ أبو حيان في تذكرته، عن صاحب البديع، أن"أن"فيه بمعنى الذى، وفيه نظر؛ لأن"أن"لا تكون بمعنى الذى، ولأنه كان يلزم أن يقول: أنا أكرم على زيد من أن أضربه.

ونقل الشيخ أبو حيان عن بهرمان أن هذا وقع جوابا لمن قال: أنت تريد أن تضربنى، فمعناه: أنت أكرم على ممن يقدر في نفسه ذلك. انتهى.

وصحة قولك: أنا أكرم على زيد من أن أضربه، يشهد لها مع كثرة الاستعمال.

وذكر سيبويه لها في كتابه، قوله صلّى الله عليه وسلّم:"أنا أكرم على الله من أن يعذبنى بذات الجنب"ثم قال: ومنها - أى من أدلة الحذف - أن يدل العقل عليهما أى: على الحذف والتعيين، نحو: قوله تعالى: وَجاءَ رَبُّكَ أى: أمره، أو عذابه؛ لأن العقل دل على أصل الحذف لاستحالة مجئ البارى - سبحانه وتعالى - عقلا، فإن ذلك يستلزم الجسمية، ودل العقل أيضا على التعيين، وهو الأمر أو العذاب. (قلت:) فإذا كان محتملا لهما، فأين التعيين؟ إلا أن

يكون أراد بقوله: الأمر الذى بمعنى العذاب، أو العذاب، وذلك اختلاف في العبارة فقط، لا في المعنى.

(1) سورة الفجر: 22.

(2) قوله: أى: أمره أو عذابه فيه نظر، فإن السلف لا يرون هذا التأويل، بل يثبتون لله صفة المجئ بمقتضى ظاهر هذه الآيات، ولا يوجب العقل الصريح هذا التأويل الذى ذكروه، وانظر: مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم - رحمه الله - فقد أجاب عن تأويل الفرق الكلامية لصفة المجئ وغيرها، في حديثه عن كسر طاغوت المجاز خ خ.

(3) سورة البقرة: 3.

(4) سورة يونس: 37.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت