قاعدة العرب في أن العموم يُراد به الخصوص لم يسرعوا إلى الإنكار ولقالوا في أنفسهم: لعلَّ هذا العام مخصوصٌ فيتأولون ... ا. هـ [1] .
قال المكفِّر: الدليل السابع قوله تعالى {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ}
وجه الدلالة: أن أهل الكتاب لما أطاعوا علماءهم وعبَّادهم وصفهم الله بأنهم اتخذوهم أربابًا من دون الله.
قال المفسِّق: أن طاعة هؤلاء لا تخرج عن حالتين:
الأولى: طاعتهم في معصية الله بدون تحليل ولا تحريم وهذا ليس كفرًا قطعًا وإلا للزم منه تكفير أهل الذنوب والمعاصي لأنهم أطاعوا هواهم في معصية الله سبحانه وتعالى.
الثانية: طاعتهم في التحليل والتحريم وهذا لاشك أنه كفر مخرجٌ من الملة كما سبق ذكره في تحرير محل النزاع [2] .
قال المكفِّر: الدليل الثامن قوله تعالى {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ}
وجه الدلالة: أن هؤلاء تحاكموا لغير الله سبحانه وتعالى فخالفوا ما أمر الله جل وعلا به.
قال المفسِّق: لست أختلف معك ولو بقيد أنملة أن هؤلاء الحاكمين بغير ما أنزل الله آثمون وواقعون في ذنبٍ عظيمٍ وأنهم من أسباب هزيمة أمتنا وضعفها لكن ليس لي أن أحكم عليهم بكفرٍ إلا بدليلٍ؛ لأن التكفير حقٌ لله سبحانه - كما هو متقرِّرٌ - وغاية ما في هذا الدليل أنه يجب عليهم الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس فيه الحكم بكفرهم مطلقًا عند ترك ذلك.
قال المكفِّر: لا تظن - يا أخي - أن البحث انتهى فلا زالت عندي أدلةٌ من السنة والإجماع والعقل.
الدليل التاسع: سبب نزول قوله تعالى {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} قال الشعبي: كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة فقال اليهودي نتحاكم إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - لأنه عرف أنه لا يأخذ الرشوة وقال المنافق نتحاكم إلى اليهود لعلَّمه أنهم يأخذون الرشوة، فاتفقا أن يأتيا كاهنًا في جهينة فيتحاكما إليه فنزلت الآية {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ... } [3] .
قال المفسِّق: إن هذا الأثر لا يصح الاستدلال به لا من جهة الإسناد ولا المتن ولعلَّي أكتفي ببيان ضعف السند وهو واضحٌ فإن الشعبي تابعي فمن ثم يكون الأثر منقطعًا وهو من أنواع الضعيف.
قال المكفِّر: هناك سبب نزول آخر وهو أن رجلين اختصما فقال أحدهما: نترافع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال الآخر إلى كعب بن الأشرف ثم ترافعا إلى عمر فذكر له أحدهما القصة فقال للذي لم يرض برسول الله صلى الله عليه وسلَّم أكذلك قال نعم فضربه بالسيف فقتله""
(1) الاعتصام (1/ 303) .
(2) هذا ملخص ما قرره أبو العباس ابن تيمية (7/ 70) مجموع الفتاوى.
(3) أخرجه الطبري (5/ 97) .