وجه الدلالة: أن طاعة غير الله في الأحكام الوضعية شرك.
قال المفسِّق: لماذا أراك - يا أخي - نسيت؟ قد سبق بيان أن هذه الآية راجعةٌ إلى التحليل والتحريم ثم إياك أن تنسى مرةً ثانيةً فتستدلَّ بقوله تعالى {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ)} فقد سبق الكلام عنها وأن المراد بها من جمع بين التشريع وزعم أن هذا من الدين الذي مؤداه إلى التحليل والتحريم وهو المسمى بالتبديل.
قال المكفِّر: الدليل الخامس قوله تعالى {وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا}
قال المفسِّق: انتظر - يا أخي - هل هؤلاء الذين يحكمون بغير ما أنزل الله يقولون هذا حكم الله حتى يكونوا مشاركين له في وضع حكمه سبحانه وتعالى؟ إن كانوا كذلك فقد سبق أن هذا كفرٌ لا شك فيه وإن لم يكونوا كذلك فلا يصح الاستدلال عليهم بالآية. فتأمل!
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي:"هذا يشمل الحكم الكوني القدري والحكم الشرعي الديني فإنه الحاكم في خلقه قضاءً وقدرًا وخلقًا وتدبيرًا والحاكم فيهم بأمره ونهيه وثوابه وعقابه ... ا. هـ [1] ."
فحكم الله الكوني واقع سواءً كان الله سبحانه محبًا له أو غير محبٍ كالإرادة الكونية وهذا بلا شك لا أحد يشاركه فيه ومن اعتقد أن أحدًا يشارك الله في هذا فقد وقع في الشرك الأكبر إذ إنه سوى غير الله بالله في أمرٍ خاصٍ بالله وهو شرك في الربوبيَّة أما الحكم الشرعي، فإن أريد به التحليل والتحريم فهذا لاشك كفرٌ كما سبق، وإن أريد مخالفة أمر الله مع الاعتراف بالخطأ فهذا لاشك أنه ليس كفرًا كما هو الحال في باقي الذنوب، وإلا كنا كالخوراج مكفرين بالذنوب فلأجل هذا - يا صاحبي - لا يصح لك الاستدلال بهذه الآية.
قال المكفِّر: الدليل السادس قوله تعالى {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} وجه الدلالة: أن هؤلاء الذين وضعوا أحكامًا وضعية نازعوا الله في أمر خاصٍ به سبحانه فيكون شركًا أكبر.
قال المفسِّق: القول في هذا الدليل هو القول نفسه في الدليل الذي قبله إذ الحكم هنا يشمل الكوني القدري والشرعي الديني قال ابن تيمية:"وقد يجمع الحكمين - أي الكوني والشرعي - مثل ما في قوله تعالى {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} ا. هـ [2] "
وقال الشاطبي:"ويمكن أن يكون من خفيِّ هذا الباب مذهب الخوارج في زعمهم أن لا تحكيم استدلالًا بقوله تعالى {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} فإنه مبنيٌّ على أن اللفظ ورد بصيغة العموم فلا يلحقه تخصيصٌ فلذلك أعرضوا عن قوله تعالى {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} وقوله {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ... } وإلا فلو علموا تحقيقًا"
(1) كتاب تيسير الكريم الرحمن.
(2) مجموع الفتاوى (2/ 413) .