فهرس الكتاب

الصفحة 277 من 575

فلا يكون في كلام ابن قدامة ولا كلام غيره من الفقهاء مخالفة للقاعدة الشرعية المتفق عليها من أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله عز وجل، وأنَّه لا استئذان في فروض الأعيان، وليس فيها أنَّ الأمير المعطِّل للجهاد أو التارك للواجبِ منه فضلًا عن المانع من ذلك يُطاع وتجري معصيته على جميع الرعيَّة واجبًا من الواجبات الشرعية.

ويوضِّح هذا المعنى كلام ابن قدامة نفسه في مسألة إذن الوالدين حيث قال: "وإذا خوطب بالجهاد فلا إذن لهما , وكذلك كُلُّ الفرائض لا طاعة لهما في تركها يعني إذا وجب عليه الجهاد لم يعتبر إذن والديه؛ لأنَّه صار فرض عين وتركه معصية، ولا طاعة لأحد في معصية الله، وكذلك كل ما وجب مثل الحج, والصلاة في الجماعة والجمع والسفر للعلم الواجب، قال الأوزاعي: لا طاعة للوالدين في ترك الفرائض والجمع والحج والقتال. لأنها عبادة تعينت عليه؛ فلم يعتبر إذن الأبوين فيها كالصلاة".

فتأمَّل تعليله إسقاط إذن الوالدين في الجهاد المتعيِّن بأنَّ تركه معصية ولا طاعة لأحد في معصية الله، وهذا يكون في الإمام كما يكون في الوالدين، والمعصية لا يُطاع فيها الإمام كما لا يُطاع فيها الوالدان.

وانظر قياسه في قوله: لأنَّها عبادة تعيّنت عليه فلم يُعتبر إذن الأبوين فيها كالصلاة، فأوضح أنَّ سقوط إذن الوالدين في الجهاد كسقوطه في الصلاة لأنَّها عبادةٌ متعيّنةٌ، وكذلك الإمام كما يسقط إذنه في الصلاة يسقط في الجهاد بجامعِ كونِ كلٍّ منهما فرض عينٍ، وهذا من أظهر الأحكام.

وما يُقال في إذن الإمام يُقال في جميع من قيل باستئذانهم من أصحاب الحقوق المعتبرة شرعًا".انتهى كلامه.

قال الرملي (في نهاية المحتاج 8/ 60) : يُكره الغزو بغير إذن الإمام أو نائبه، ولا كراهة في حالات: إذا فوت الإستئذان المقصود، أو عطل الإمام الغزو، أو غلب على ظنه عدم الإذن (كما بحث ذلك البلقيني) (انتهى) .

تأمل كلام الرملي رحمه الله، وهو يتكلم عن جهاد الطلب، فإذا كان استئذان الإمام يُفوّت المصلحة جاز الجهاد بدون إذنه، كذلك إذا عطّل الجهاد أو منع منه، وهذا في جهاد طلب الذي هو زيادة وفضل، فكيف بجهاد الدفع الذي هو ضرورة ودفاع عن الدين والعرض والأرض؟!

وقال ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى الكبرى (607/ 4) :"أما إذا هجم العدو فلا يبقى للخلاف وجه فإن دفع ضررهم عن الدين والنفس والحرمة واجب إجماعا فلا حاجة لإذن أمير المؤمنين."

وقال ابن حزم في المحلى"ولا يجوز الجهاد إلا بإذن الأبوين إلا أن ينزل العدو بقوم من المسلمين ففرض على كل من يمكنه إعانتهم أن يقصدهم مغيثا لهم أذن الأبوان أم لم يأذنا - إلا أن يضيعا أو أحدهما بعده، فلا يحل له ترك من يضيع منهما. 7/ 292."

وقال الإمام النووي (قال أصحابنا: الجهاد اليوم فرض كفاية إلا أن ينزل الكفار ببلد المسلمين فيتعين عليهم الجهاد، فإن لم يكن في أهل ذلك البلد كفاية وجب على من يليهم تتميم الكفاية) شرحه على مسلم 8/ 63.

وقال الماوردي:"فرض الجهاد على الكفاية يتولاه الإمام ما لم يتعين" (الإقناع ص/175)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت