ثُمّ إنه بمظاهرته للكافرين يكون قد سعى في علو وظهور الكفر على الإسلام، وعلو يد الكفار على المسلمين ولا ينفعه أن يقول إنني لم أقصد بمعاونتي لهم أن يظهر دينهم على دين المسلمين، فإنّ من لوازم انتصارهم أن يظهر دينهم وتعلوَ رايتهم ويثبتَ سلطانهم، والمقاصد مردّها إلى الله وهو أعلم بها ولسنا مكلفين شرعًا أن نتعرّف على المقاصد ولا سبيل لنا إلى ذلك وكلٌّ يستطيع أن يقول بلسانه ما ليس في قلبه لذلك وجب الأخذ بالظاهر.
قال ابن جرير الطبري رحمه الله: في تفسير قوله"لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء": (والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى ذكره نهى المؤمنين جميعا أن يتخذوا اليهود والنصارى أنصارا وحلفاء على أهل الإيمان بالله ورسوله وأخبر أنه من اتخذهم نصيرا وحليفا ووليا من دون الله ورسوله والمؤمنين فإنه منهم في التحزب على الله وعلى رسوله والمؤمنين وأن الله ورسوله منه بريئان) .
وقال القرطبي رحمه الله: قوله تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ} أي يعضدهم على المسلمين {فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} بين أن حكمه حكمهم، وهو يمنع إثبات الميراث للمسلم من المرتد، وكان الذي تولاهم ابن أبي، ثم هذا الحكم باق إلى يوم القيامة في قطع الموالاة. [تفسير القرطبي 6/ 217] .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى 18/ 300، بعد ذكر قوله تعالى"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء"إلى قوله"يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه ...": (فالمخاطبون بالنهى عن موالاة اليهود والنصارى هم المخاطبون بآية الردة، ومعلوم أن هذا يتناول جميع قرون الأمة، وهو لما نهى عن موالاة الكفار وبين أن من تولاهم من المخاطبين فإنه منهم، بين أن من تولاهم وارتد عن دين الإسلام لا يضر الإسلام شيئا، بل سيأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه فيتولون المؤمنين دون الكفار ويجاهدون في سبيل الله لا يخافون لومة لائم، كما قال في أول الأمر"فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها كافرين"، فهؤلاء الذين لم يدخلوا في الإسلام وأولئك الذين خرجوا منه بعد الدخول فيه لا يضرون الإسلام شيئا بل يقيم الله من يؤمن بما جاء به رسوله وينصر دينه إلى قيام الساعة) .اهـ
وقال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى 28/ 192 - 193 (فصل في الولاية والعداوة ... فذم من يتولى الكفار من أهل الكتاب قبلنا، وبين أن ذلك ينافي الإيمان"بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين"... وقال"إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم". وتبين أن موالاة الكفار كانت سبب ارتدادهم على أدبارهم. ولهذا ذكر في سورة المائدة أئمة المرتدين عقب النهى عن موالاة الكفار في قوله"ومن يتولهم منكم فإنه منهم") .اهـ
وقال شيخ الإسلام في اختياراته: (من قفز إلى معسكر التتر، ولحق بهم ارتد، وحل ماله ودمه) نقله الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، الدرر السنية 8/ 338، مجموعة الرسائل النجدية 3/ 35.