تفرَّغوا من همومِ الدُّنيا ما استطعتُم، فمَن كانت الدنيا همَّه قضى الله عليه ضيعتَه، وجعَل فقره بيْن عينيه، ومَن كانتِ الآخرة همَّه، جمَع الله عليه شمله، وجعل غِناه في قلبه، وما أقبل أحدٌ على الله بقلْبه إلا أقبل الله عليه بقلوبِ عباده المؤمنين، فكان الله بكلِّ خيرٍ أسرع، كفَى بالمرء حمقًا أن يَكثُر حظُّه ويقلُّ عملُه وخشيتُه، جيفةٌ بالليل، بطَّالٌ بالنهار، كسولٌ جزوع، هلوعٌ رتوع.
أيها الناس:
ما سكَن حبُّ الدنيا قلبَ عبد إلا الْتاط منها بثلاثِ خِصال: شُغل لا ينفكُّ عَناه، وفقر لا يُدرك غِناه، وأمَل لا يَنال منتهاه، وإنَّ الدنيا والآخِرة طالبتانِ مطلوبتان؛ فطالبُ الآخرة تطلبُه الدنيا حتى يستكملَ رِزقَه، وطالب الدنيا تطلبُه الآخرةَ حتى يأخذَه الموت بعُنقه.
ألاَ وإنَّ السعيد مَن اختار باقيةً يدوم نعيمُها، على فانية لا ينفكُّ عذابها، وقدَّم لِمَا يَقْدَم عليه، ممَّا هو الآن في يديه، قبلَ أن يخلفَه لمن يسعد بإنفاقه، وقد شقِي هو بجمْعه واحتكاره.
أيها الناس: