وهكذا كان السلف الصالح من هذه الأمة؛ تنافسوا في تحصيل هذا العلم والعمل به وبذْلِه، حتى كان الرجلان من الصحابة يبقى أحدُهما في مَزرعته وخِدمة أهْل جاره، وجارُه ينزل إلى المدينة لأخْذِ العلم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا رجعَ بلَّغ جارَه بما سَمِع، وبَقِي هو اليوم الآخر مُشتغلًا في دنياه وراعيًا لشؤون جاره، وجارُه ينزل لأخْذِ العلم وهكذا؛ لمعرفتهم بفضْل العلم وحُسن عاقبته على أهْله في العاجلة والآجلة؛ فإنَّ الله - تعالى - يرفع بهذا العلم أقوامًا فيجعلهم أئمة يُهْتَدى بهم في الخير، وتُؤثَر عنهم السُّنن، ويظهر بهم الهدى، ويُقْمَع بهم أهْل البدع والأهواء، فهم أئمَّةٌ أحياء ولو كانوا تحتَ الثَّرَى.
والعلماء باقون بعلمهم ما بَقِي الدهر، ولو كانوا في دار البِلَى، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة، فالعلم خليل المؤمن، يُكسبه الطاعة لربِّه، وجميل الأحدوثة بعد وفاته، واستغفار الخَلق له، وترحُّمهم عليه، فإنَّ العالم لَيستغفر له كلُّ شيءٍ حتى الحوت في البحر، وإنَّ الله وملائكته حتى النملة في جُحرها ليصلُّون على مُعَلِّم الناس الخير، وما تصدَّق مُتصدِّق بمثْل عِلمٍ يُنْشَر، وما طُلبت النجاة من الفِتن بمثْل عِلم يُؤثَر، ونعم العطيَّة كلمةُ حقٍّ تسمعها ثم تحملُها إلى أخٍ لك مسلم فتعلِّمه إيَّاها، وفي الحديث: (( مَن علَّم علمًا، فله مثلُ أجرِ مَن عَمِل به ) ).
وكان من هدْي السلف: تهادِي العلم فيما بينهم كما يتهادى الناس التُّحَف.
فسلوا الله - أيها المؤمنون - العلمَ النافع؛ فإنه زيادة في الهدى، وكفَّارة لِمَا مَضَى، وبه تُنال في الجنة الدرجات العُلى، فاطلبوه تجدوه، واعملوا به.
أيها المؤمنون: