وتارةً يقولون: إنّه كان من أصحاب القياس والرأي، وكان لا يعمل بالحديث، حتى وضع أبو بكر بن أبي شيبة (1) في كتابه بابًا للرد عليه: ترجمه: (باب الردّ على أبي حنيفة) (2) ، وهذا أيضًا من التعصب! كيف وقد قبل المراسيل؟! وقال: ما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبالرأس والعين، وما جاء عن أصحابه فلا أتركه، ولم يخصص بالقياس عام خبر الواحد ـ فضلًا عن عام الكتاب ـ، ولم يعمل بالإخالة (3) ، والمصالح المرسلة.
والعجب أنهم طعنوا في هذا الإمام مع قبولهم الإمام الشافعي، وقد قال في أقوال الصحابة: كيف أتمسك بقول من لو كنت في عصره لحاججته؟ وخصص عام الكتاب بالقياس، وعمل بالإخالة، وهل هذا إلا بهت من هؤلاء الطاعنين؟
(1) وهو عبد الله بن محمد بن أبي شَيْبَةَ إبراهيم بن عثمان الكوفي العَبْسى، نسبةً إلى بني عَبْسى، قال أَبُو زُرْعَة: ما رأيتُ أحفظَ منه، من مؤلفاته: (( المسند ) )، و (( المصنف ) )، (159-235هـ) . ينظر: (( العبر ) ) (1: 421) . (( مرآة الجنان ) ) (2: 116) . (( النجوم الزاهرة ) ) (2: 282) .
(2) ألِّفت كثير من الكتب في الرد على ابن أبي شيبة في الأحاديث التي ذكر أن أبا حنيفة - رضي الله عنه - خالفها، ومن أشملها كتاب الإمام الكوثري (( النكت الطريفة في التحدث عن ردود ابن ابي شيبة على أبي حنيفة ) )بلغ قرابة (300) صفحة، بيَّن فيه من وافق أبا حنيفة عليها من الأئمة، واستوفى الكلام على كل مسألة منها، وبلغت المسائل (125) مسألة اجتهادية من أمهات المسائل.
(3) الإخالة: مسلك من مسالك العلة التي ذكرها الأصوليون في مباحث أصول الفقه لا يقول به الحنفية، ويقول به الشافعية. وتمامه في هامش (( الرفع والتكميل ) ) (ص76-77) .