وهذا ما أوضحه د: أنيس من قبل بقوله:"الكثرة الغالبة من الأصوات اللغوية في كل كلام مجهورة، ومن الطبيعى أن تكون كذلك وإلا فقدت اللغة عنصرها الموسيقى ورنينها الخاص الذى نميز به الكلام من الصمت والجهر من الهمس والإسرار". [1]
ثانيا: رؤية القدماء في التعرف على الجهر والهمس:
استعمل بعض القدماء مترادفات لفظية وجملا يفهم منها أنهم كانت لديهم وسائلهم الخاصة في التعرف على الجهر والهمس، إذ كلها تعتمد على الملاحظة الذاتية والاجتهاد الشخصى، وهو ما يتضح في الأقوال الآتية:
يقول سيبويه ـ مفرقا بينهما ـ:"وأنت تعرف ذلك إذا اعتبرت فرددت الحرف مع جرى النفس، ولو أردت ذلك في المجهورة لم تقدر عليه، فإذا أردت إجراء الحروف فأنت ترفع صوتك إن شئت بحروف اللين والمد بما فيها، وإن شئت أخفيت" [2]
ومن خلال أعضاء النطق فقد استعملها للتفريق بين المجهور والمهموس بقوله:"وإنما فرق بين المجهور والمهموس أنك لا تصل إلى تبيين المجهور إلا أن تدخله الصوت الذى يخرج من الصدر، فالمجهورة كلها هكذا يخرج صوتهن من الصدر ويجرى في الحلق، غير أن الميم والنون يخرج أصواتها من الصدر ويجرى في الصدر والخيشوم غنة تخالط ما جرى في الحلق. والدليل على على ذلك أنك لو أمسكت بأنفك ثم تكلمت بهما رأيت ذلك قد أخل بهما. أما المهموسة فتخرج أصواتها من مخارجها، وذلك مما يزجى الصوت ولم يعتمد عليه فيها"
(1) - الأصوات اللغوية، ص،21.
(2) - الكتاب،4/ 432
ـ أوضح د: عبد الصبور شاهين أن:"حالة الإخفاء لم تظهر فيها حروف مد ولين ولا ما هو من جنسها من المصوتات القصيرة، لأن المصوتات جميعها مجهورة، فمتى أخفينا - أى همسنا - لم يعد لها وجود. وأشار سيبويه إلى استخدام أصوات المد لأنها تساعد على إظهار الصوت المجهور ليمكن تمييزه، فلو حاولنا النطق بالزاى مثلًا، جاءت المحاولة في الصورة التالية"زا زا زا زا زا"أو جاءت على صورة"از از از از از"، وعلى هذا فالمجهور = اعتماد + صوت + نفس"انظر التطور اللغوى: مؤسسة الرسالة، ط 2،1985، ص204.