فإن لم يكن حملنا الراوية على الاتصال والسماع.
وإن كان مدلسًا فالمشهور أنه لا يحمل على السماع حتى يبين الراوي ذلك، وما لم يبين فهو كالمنقطع فلا يقبل، وهذا جار على القياس، إلا أن الجري عليه في تصرفات المحدثين وتخريجاتهم صعب عسير، يوجب اطراح كثير من الأحاديث التي صححوها (1) ، إذ يعتذؤ علين إثبات سماع المدلس فيها من شيخه، اللهم إلا أن يدعي مدع أن الأوليين اطلعوا على ذلك وإن لم نطلع نحن عليه وفي ذلك نظر) اهـ.
الدليل الثالث: التتبع والاستقراء:
فإن الأئمة المتقدمين لم يذكروا حديثً واحدًا ـ عمليًا ـ أعلوه بمجرد عنعنة المدلس إذا كان ثقة، بل لا يذكرون هذه العلة إلا إذا ثبت تدليسه فعلًا أو حملًا لعلة أخرى كنكارة أو مخالفة أو نحوها كما سيتضح من القسم التطبيقي إن شاء الله تعالى.
الدليل الرابع: بعض النقولات عن أئمة هذا الشأن:
فمن ذلك:
قال يعقوب بن شيبة (2) :
(سألت يحيى بن معين عن التدليس، فكرهه وعابه.
قلت له: أفيكون المدلس حجة فيما روى، أو حتى يقول حدثنا وأخبرنا؟.
فقال: لا يكون حجة فيما دلس) اهـ.
فانظر إلى قوله هنا (لا يكون حجة فيما دلس) ، ولم يقل (فيما عنعن) أو (حتى يقول حدثنا) ، فيستفاد من هذا ما يلي:
أولًا: أن الإمام يحيى بن معين لم يجعل الحكم للصيغة، بل لثبوت التدليس في نفس الأمر.
ثانيًا: أنه قال (لا يكون حجة فيما دلس فيه) / ولا يعرف هذا إلا باعتبار باعتبار الحديث وسبر الروايات.
ثالثًا: أن المدلس حجة فيما لم يدلس فيه (وإن عنعن) .
وقال أبو حاتم عن المقدمي (3) :
(1) وهذا ما فعله بعض المعاصرين في بعض أحاديث الصحيحين!!!!.
(2) الكفاية) 1/ 362 (التمهيد) 1/ 17
(3) الجرح والتعديل) 6/ 124، (علل ابن أبي حاتم 1/ 166