( إن في النفس من هذا الاستثناء غصة(1) ـ يعني اشتثناء أحاديث الصحيحين ـ ؛ لأنها دعوى لا دليل عليها ، ولا سيما أنا قد وجدنا كثيرًا من الحفاظ يعللون أحاديث وقعت في الصحيحين أو أحدهما بتدليس رواتها (2) ) اهـ .
الوجه الثالث:
أن هذا ـ قد يسلم ـ لو أن ما جرى عليه الشيخان في صحيحيهما خالف ما جرى عيه أئمة الحديث المتقدمون .
فحينئذ ينبغي محاولة تخريج فعلهم لموافقة باقي الأئمة وأصولهم ، والحال هو العكس ، فإن حال الأئمة المتقدمين في معاملتهم لعنعنة المدلس توافق ما عليه الشيخان تمامًا ، فإن تأولوا للشيخين فما هو قولهم في الأحاديث التي فيها مدلسون روايتهم بالعنعنة والتي يصححها الأئمة خارج الصحيحين كما سيأتي في الدليل الثاني ؟؟ !!
قال ابن دقيق العيد (3) :
( لا بد من الثبات على طريقة واحدة ، إما القبول مطلقًا في كل كتاب أو الرد مطلقًا في كل كتاب ، وأما التفرقة بين ما في الصحيح من ذلك وما خرج عنه فغاية ما يوجه به أحد أمرين:
إما أن يدعي أن تلك الأحاديث عرف صاحب الصحيح صحة السماع فيها ، وهذا
إحالة على جهالة ، وإثبات بمجرد الاحتمال .
وإما أن يدعي أن الإجماع على صحة ما في الكتابين دليل على وقوع السماع في هذه
(1) الشاهد من كلامه تسليمه بأن هذا الضابط ( فيه نظر ) ، وإلا فإنه يظهر منه إرادة طرد ضابط المتأخرين في العنعنة ، لا رد ضابطهم بعمل المتقدمين فتنبه !! .
(2) التعليل الذي حصل لبعض أحاديث المدلسين من بعض الأئمة ليس هو تعليل المتأخرين ( فيه فلان وهو مدلس وقد عنعن ) بل هو تعليل بالتدليس لظهوره من طريق آخر ويأتي إن شاء الله
(3) النكت ) 2/635 ـ 636