الصفحة 44 من 155

: (كنت أتفطن إلى فم قتادة فإذا قال: حدثنا كتبت، وإذا قال: حدث لم أكتب) ، فيفسره التفصيل السابق المنقول عن شعبة (1) .

ومما يدل على أن تدليسه بالمعنى الخاص المتأخر قليل أن شعبة ذكر أن روايات قتادة عن أبي العالية إلا ثلاثة أحاديث (ذكرها) (2) ، وقد تتبعت الروايات من وجه يصح، إلا روايات صح سماعه فيها (3) .

ومما يدل على ذلك أيضًا أنه ثبت عنه أنه أقام عند سعيد بن المسيب عدة أيام حتى قال له سعيد (ارتحل فقد أنزقتني) (4) . ومع ذلك فقد قال الإمام أحمد عن رواية قتادة عن ابن المسيب (5) (قد أدخل بينه وبين سعيد نحوًا من عشرة رجال ى يعرفون) مما يدل على أحد أمرين:

إما أنه لا يدلس (التدليس الخاص عند المتأخرين) .

أو أن تدليسه (على المعنى الخاص) قليل.

كذلك فقد قال ابن أبي حاتم رحمه الله تعالى (6) :

(قال سمعت أبي يقول وقلت له: أبو قلابة عن معاذة أحب إليك، أو قتادة عن معاذة. فقال: جميعًا ثقتان وأبو قلابة لا يعرف لد تدليس) اهـ.

وقال أيضًا (7)

(1) وهي: حديث (القضاة الثلاثة) و (لا صلاة بعد العصر) و (يونس بن متى) .

(2) وقد زاد البيهقي عليها واحدًا، وقد روى عنه الشيخان من ورايته عن أبي العالية حديثين أيضًا مما يدل على أن سماعه منه أكثر مما ذكر شعبة، وروايته عنه قليل، وهذا يشعر بقلة تدليسه على المعنى الخاص المتأخر، فإن الأعمش مثلًا ذكر الأئمة عنه أنه لم يسمع من مجاهد إلا بضعة أحاديث وروايته عنه كثرة.

(3) انظر (التاريخ الكبير) 7/ 185.

(4) انظر (جامع التحصيل) ص255، (تحفة التحصيل) ص265.

(5) الجرح والتعديل) 5/ 57.

(6) الجرح والتعديل) 7/ 134.

(7) المراسيل) 174، فإن قيل فإن البخاري رحمه الله تعالى إذا ذكر رواية لقتادة عن أنس بالعنعنة فإنه يتبعها بإسناد معلق فيه التحديث، وما ذلك إلا لشهرته بالتدليس ممن سمع منه، فالجواب من وجوه:

الوجه الأول: أن البخاري لم يفعل هذا في جميع روايات قتادة المعنعنة، بل ترك بعضها ولم يذكر إسنادًا آخر فيه التصريح بالتحديث.

الوجه الثاني: أن الروايات التي يعلقها لإثبات سماع قتادة أستأنس ببعضها وإلا فبعضها من وراية يحيى بن أيوب وهو متساهل في إثبات السماع كما وصفه الإسماعيلي ويأتي إن شاء الله تعالى في الفصل الثالث.

الوجه الثالث: أن البخاري رحمه الله تعالى من أحرص المحدثين على إثبات السماعات في الأسانيد ـ حتى من غير المدلسين ـ والأمثلة على ذلك كثيرة جدًا، فمن ذلك:

ما رواه (1516) من طريق قتادة عن عبد الله بن أبي عتبة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ليحجن البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج، ثم قال: (سمع قتادة عبد الله وعبد الله أبا سعيد) ، وعبد الله لم يذكر بالتدليس، وهذه الرواية لنا وقفة عندها إن شاء الله تعالى في الفصل الرابع.

وروى (4725) من طريق هشام عن محمد عن معبد عن أبي سعيد الخدري قال: كنا في مسير لنا .. الحديث. ثم قال: (وقال أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا هشام حدثنا محمد بن سيرين حدثني معبد بن سيرين عن أبي سعيد الخدري بهذا) اهـ.

وروى (5360) من طريق أحمد بن منيع حدثناى مروان بن شجاع حدثنا سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (الشفاء في ثلاثة .. الحديث) . ثم روى (5361) من طريق سريج بن يونس أبو الحارث حدثنا مروان بن شجاع عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال:

قال ابن حجر في (الفتح) 10/ 138: (وقد صرح برفعه في رواية سريج بن يونس حيث قال فيه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولعل هذا هو السر في إيراد هذه الطريق أيضًا مع نزولها وإنما لم يكتف بها عن الأوى للتصريح في الأولى بقول مروان حدثني سالم ووقعت في الثنية بالعنعنة) اهـ.

وروى (66960) قال: (حدثني إبراهيم بن المنذر حدثنا معن بن عيسى حدثني عبد الرحمن بن أبي الموالي قال سمعت محمد بن المنكدر يحدث عبد الله بن الحسن يقول أخبرني جابر بن عبد الله السلمي(حديث الاستخارة) ، وقد كان رواها سابقًا (1109) عن قتيبة عن عبد الرحمن بن الموالي.

قال الحافظ في (الفتح) 13/ 376: (فافادت هذه الرواية تعين أحد الاحتمالين وهو التصريح بسماعه ولهذا نزل فيه البخاري درجة لأنه عنده في الموضعين المذكورين بواسطة واحد عن عبد الرحمن وهنا وقع بينه وبين عبد الرحمن اثنان لكن سهل عليه النزول تحصيل فائدة الاطلاع على الواقع فيها تصريح عبد الرحمن بالسماع في موضع العنعنة) اهـ.

وروى (7056) قال حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا سفيان عن إسماعيل بن أبي خالد عن عبد الله بن أبي أوفى قال قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوم الأحزاب: (اللهم منزل الكتاب .. الحديث) ، ثم قال: (زاد الحميدي حدثنا سفيان حدثنا بن أبي خالد سمعت عبد الله سمعت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم) اهـ، وانظر كلام الحافظ عنها في (الفتح) 13/ 463.

وروى (1567) قال حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان بن عمرو عن عطاء ابن عباسرضي الله تعالى عنهما قال: (إنما سعى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالبيت وبين الصفا والمروة ليري المشركين قوته) زاد الحميدي حدثنا سفين حدثنا عمرو سمعت عطاء عن ابن عباس مثله. وانظر كلام الحافظ في (الفتح) 3/ 305.

وروى (4306) قال حدثني الصلت بن محمد حدثنا أبو أسامه عن إدريس عن طلحة بن مصرف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (ولكل جعلنا موالي) الحديث، ثم قال: سمع أبو أسامه إدريس وسمع إدريس طلحة اهـ.

قال الحافظ في (الفتح) 8/ 249: سمع أبو أسامه إدريس وسمع إدريس طلحة وقع هذا في رزاية الممستملي وحده وقد قدمت التنبيه على من وقع عنده التصريح بالتحديث لأبي أسامه من إدريس ولإدريس من طلحة في هذا الحديث بعينه وإلى ذلك أشار المصنف والله أعلم) اهـ. والأمثلة كثيرة، ومن اطلع على الصحيح تبين له حرص البخاري رحمه الله الشديد على السماعات وإثباتها، حتى لو كانت لمن لم يوصف بالتدليس، فكيف بمن وصف به؟!

وقد قال الحافظ رحمه الله في (الفتح) 4/ 237 تعليقًا على الحديث (1887) :

(وإنما ساق البخاري الطريق الأوى مع نزولها لما فيها من التصريح بالتحديث في المواضع التي رفعت بالعنعنة في الطريق الثانية مع علوها وما أكثر ما يحرص البخاري على ذلك في هذا الكتاب) اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت