أحدهما: حافظ عدل ربما أرسل حديثه، وربما أسنده، وربما حدث به على سبيل المذاكرة أو الفتيا أو المناظرة فلم يذكر له سندًا، وربما اقتصر على ذكر بعض رواته دون بعض، فهذا لا يضر ذلك سائر رواياته شيئًا، لأن هذا ليس جرحه ولا غفلة، لمكنا نترك من حديثه ما علمنا يقينًا أنه أرسله، وما علمنا أنه أسقط بعض من في إسناده،ونأخذ من حديثه ما لم نوقن فيه شيئًا من ذلك، وسواء قال: أخبرنا فلان، أو قال: عن فلان، أو قال: فلان عن فلان، كل ذلك واجب قبوله ما لم يتيقن أنه أورد حديثًا يعينه إيرادًا غير مسند فإن أيقنا ذلك تركنا ذلك الحديث وحده فقط وأخذنا سائر رواياته، وقد روينا عن عبد الرزاق بن همام قال: (( كان معمر يرسل لنا أحاديث فلما قدم عليه عبد الله بن المبارك أسندها له ) )، وهذا النوع منهم كان جلة أصحاب الحديث وأئمة المسلمين كالحسن البصري وأبي الزبير وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة، وقد أدخل علي بن عمر الدا قطني فيهم مالك بن أنس ولم يكن كذلك ولا يوجد له هذا إلا في قليل من حديثه أرسله مرة وأسنده أخرى) اهـ.
وقد قال في موضع أخر من (الإحكام) : (وإما أن بعضنا يرى ترك كل ما رواه المدلس إلا ما قال فيه حدثنا أو أنبأنا وهذا خطأ وبعضنا يرى قبول جميع روايته إذا لم يدلس المنكرات إلى الثقات إلا ما صح فيه تدليسه وبهذا نقول وعلى كل ما ذكرنا البرهان) اهـ.
وهذا القول ظاهر لا يحتاج مثله إلى شرح (1)
(1) تبقى هناك نقول أخرى موهمة غير التي ذكرت منها:
1 -قول الشافعي رحمه الله تعالى في (الرسالة) ص379: (ومن عرفناه دلس مرة فقد أبان لنا عورته في روايته وليس تلك العورة بالكذب فنرد بها حديثه ولا النصحية في الصدق فتقبل منه ما قبلنا من أهل النصيحة في الصدق فقلنا لا تقبل من مدلس حديثًا حتى يقول فيه حدثني أو سمعت) اهـ.
وهذا القول للشافعي رحمه الله تعالى لا يوافقه عليه أئمة الحديث كما سبق ونقلت عن الإمام أحمد وابن المديني وابن معين والفسوي وغيرهم، والشافعي رحمه الله تعالى من فقهاء الملة وعلماء الإسلام ولكنه لم يكن في معرفته للحديث كاولئك الحفاظ، كما قال هو رحمه الله رحمه الله تعالى، فقد قال الإمام أحمد كما في (العلل ومعرفة الرجال) 1/ 462: (قال لنا الشافعي: أنتم أعلم بالحديث والرجال مني فإذا كان الحديث صحيحًا فأعلموني إن شاء الله يكون كوفيًا أو بصريًا أو شاميًا حتى أذهب إليه إذا كان صحيحًا) اهـ، ولو أخذنا بقول الشافعي رحمه الله تعالى لرددنا أحاديث صحيحه كثيرة لم يردها أحد حتى من الشافعية أنفسهم فإنهم لما قسموا مراتب المدلسين جعلوا المراتب الأول من وقع الاتفاق على قبول (عنعنتهم) مع أنهم دلسوا، فدل على أن هذا القول لم يقل به أحد من أهل مذهبه.
2 -وهناك بعض النقولات عن بعض السلف في بعض المواضع كان يقول فيها أحدهم (كنت لا أقبل منع إلا ما قال فيه حدثنا) كقول شعبة مثلًا في قتادة، وعفان ابن مسلم في المقدمي، ويحيى القطان في الثوري،وغيرها، وكلها تدل على مذاهب خاصة لهؤلاء وهي الزيادة في التثبت واليقين، ولكن هذا كله لا يدل على تعميم هذه النقول في جميع المدلسين لما سبق ذكره عن أئمة الشأن، كما أنه قد فقدت العبارات المتيقنة التي أصدرها المدلس ـ كما سبق في الفصل الثالث ـ فلا يدرى هل صرح بالتحديث في موضع العنعنة أو لم يصرح وليس أحدهما بأولى من الآخر، بل إن تصريحه بالتحديث أولى ما دام لم يغلب التدليس على مجموع مروياته فيترجح الاتصال حتى يتبين الانقطاع بدليل آخر، وفي الجملة: فهذه النقول من أراد أن يستدل بها على رد عنعنة المدلس مطلقًا فإنه لا يسعفه عليه تطبيقات الأئمة كما سيأتي إن شاء الله تعالى وعمل الأئمة هو الحكم في ذلك.