فهرس الكتاب

الصفحة 993 من 1335

وليس بين الحديثين تعارضٌ، كلاهما أُسس على التَّقوى. غير أن قوله تعالى: {من أوَّل يوم} يقتضي مسجد قباء؛ لأنَّ تأسيسه كان في أول يوم من حلول رسول الله صلى الله عليه وسلم دارَ هجرته والبلد الذي هو مهاجره، وفي قوله سبحانه: {من أوَّل يوم} وقد علم أنَّه ليس أول الأيام كلها، ولا أضافه إلى شيء من اللفظ الظاهر، فيه من الفقه صحَّةُ ما اتفَّق عليه الصَّحابة مع عمر رضي الله عنه، حين شاورهم في التَّاريخ، فاتفَّقَ رأيُهم أن يكونَ التَّاريخ من عام الهجرة؛ لأنَّه الوقت الذي عزَّ فيه الإسلام، والحين الذي أمن فيه النبي صلى الله عليه وسلم وأسس المساجد، وعَبَدَ الله آمنًا كما يحب، فوافق رأيهم هذا ظاهر التَّنْزيل، وفهمنا الآن بفعلهم أنَّ قوله سبحانه: {من أوَّلِ يومٍ} أنَّ ذلك اليوم هو أوَّلُ يوم التاريخ الذي يُؤرَّخ به الآن، فإنْ كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذوا هذا من الآية فهو الظنُّ بِهم وبأفهامهم؛ لأنَّهم أَعلمُ النَّاس بتأويل كتاب الله وأفهمهم بما في القرآن من إشارات إفصاح، وإنْ كان ذلك منهم عن رأي واجتهاد فقد علم الله ذلك منهم قبل أنْ يكونوا، وأشار إلى صحته قبل أن يفعل، إذ لا يعقل قول القائل: فعلْتُه أول يوم إلا بإضافةٍ إلى عام معلوم، أو شهر معلوم، أو تاريخ معلوم، وليس هاهنا إضافة في المعنى إلا إلى هذا التاريخ المعلوم، لعدم القرائن الدَّالة على غيره من قرينة لفظ أو قرينة حال، فتدَّبْره ففيه مُعْتَبرٌ لمن ادَّكر، وعلْمٌ لمن رأى بعين فؤاده واستبصر، والحمد لله.

وليس يُحتاج في قوله: {من أوَّل يوم} إلى إضمارٍ، كما قدَّره بعض النُّحاة: من تأسيس أول يومٍ، فرارًا من دخول (مِنْ) على الزَّمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت